بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 كانون الثاني 2026 12:10ص واشنطن وتل أبيب تُنهيان المهلة... ولبنان تحت سيف الابتزاز السياسي

حجم الخط
د. محمد دوغان

لم تعد قضية حصر السلاح في لبنان نقاشاً سيادياً داخلياً، بل تحوّلت إلى أداة ابتزاز سياسي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة مباشرة، بعد انتهاء المهلة غير المعلنة التي وُضعت للبنان لتنفيذ قرار حصر السلاح تحت عنوان «تطبيق القرار 1701». فالمسألة لم تعد فيما إذا كانت هناك مهلة، بل فيما بعد انتهائها، وفي طبيعة المرحلة التي يجري الإعداد لها.
الاجتماع الأخير بين ترامب ونتنياهو في فلوريدا، لم يكن حدثاً عابراً ولا لقاءً انتخابياً داخلياً، بل جاء في توقيت محسوب، ليؤكد أن لبنان بات بنداً ثابتاً على جدول الضغط الأميركي - الإسرائيلي، وأن سلاحه أصبح هدفاً سياسياً مباشراً، لا ملفاً تفاوضياً.
الرسالة التي خرجت من هذا اللقاء واضحة: انتهى وقت التحذيرات، وبدأ زمن فرض الخيارات. ولبنان، من وجهة النظر الأميركية - الإسرائيلية، لم يعد دولة لها خصوصيتها وتعقيداتها، بل ساحة يجب ضبطها عبر نزع عناصر قوتها، تمهيداً لإعادة رسم التوازنات على حدوده الجنوبية وداخله.
اللافت والخطير في آن، أن هذا الضغط يُمارَس باسم الشرعية الدولية، فيما تُضرب هذه الشرعية نفسها عرض الحائط عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فالقرار 1701، الذي يُستخدم كسيف مسلّط على لبنان، يُطبّق بوجه واحد: وجه لبناني. لا مساءلة عن الخروقات الإسرائيلية اليومية، ولا حديث عن استمرار الاحتلال، ولا أي التزام إسرائيلي بوقف الاعتداءات الجوية والبرية والبحرية. ومع ذلك، يُطالَب لبنان بتنفيذ كامل وفوري، تحت التهديد.
قانونياً، لا يمكن فصل القرار 1701 عن سياقه الشامل، فهو قرار أُقرّ لوقف الأعمال العدائية، لا لتكريس تفوّق طرف واحد. وهو يفترض التزاماً متبادلاً، لا إذعاناً من طرف وصمتاً عن طرف آخر. أما تحويله إلى أداة لنزع السلاح من دون توفير أي ضمانات سيادية أو أمنية، فليس تطبيقاً للقانون الدولي، بل تشويهاً له.
في هذا الإطار، يصبح سلاح حزب الله العنوان المركزي للضغط، لا لأنه المشكلة بحد ذاته، بل لأنه يمثّل عنصر الردع الوحيد القائم في وجه مشروع إخضاع لبنان بغض النظر عن الانقسام اللبناني الحاد حول مسألة السلاح طالما ان المقاومة حق مشروع في مواجهة الاحتلال. فالإصرار الأميركي - الإسرائيلي على سحب السلاح جنوب وشمال الليطاني، لا يهدف إلى تعزيز الدولة اللبنانية، بل إلى إفراغها من أي قدرة تفاوضية، وتحويلها إلى كيان مكشوف أمنياً، ينتظر الحماية من الخارج.
أما مسألة السلاح شمال الليطاني، فهي شأن لبناني داخلي بامتياز، لا بنداً دولياً ولا تفويضاً خارجياً. وأي نقاش جديّ حول استراتيجية دفاعية وطنية، لا يمكن أن يُدار تحت ضغط المهل ولا تحت تهديد العقوبات أو التصعيد. فالتوافق الوطني لا يُنتزع، والسيادة لا تُفرض من الخارج.
إن ما يجري اليوم ليس سعياً إلى بناء الدولة، بل محاولة لإعادة إنتاج الوصاية، بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية جديدة. فالدولة التي يُطلب منها نزع وسائل الدفاع قبل زوال الخطر، لا تُبنى بل تُقوَّض. والسيادة التي تُختزل ببيانات سياسية من دون قوة تحميها، ليست سيادة، بل وهم مُنمّق.
لقد انتهت المهلة، نعم. لكن السؤال الحقيقي: هل يُراد للبنان أن يدخل مرحلة الدولة القوية القادرة، أم مرحلة الكيان المنزوع الإرادة؟ بين القلم والسلاح، لا يملك لبنان ترف الاختيار النظري. فالكلمة التي لا يحميها ميزان قوة، تبقى حبراً في بيانات دولية لا تحمي أرضاً ولا تصون سيادة.