تركي ضاهر
تنذكر ما تنعاد...
عهد جديد بدأ ومضى عامه الأول، وآمال كبيرة ومستقبلا للبنان آمنا واعداً بالحرية والكرامة والمساواة والعدالة واسترداد وإعادة الحقوق لأصحابها.
وعهدنا بفخامة الرئيس جوزاف عون ودولة الرئيس نواف سلام صادقين، ملتزمين في صون حقوق كل الوطن والمواطن ورفع الغبن والقهر والإهمال من جراء سنوات التخلّف والنسيان لمنطقتنا المسلخ والكرنتينا والتي كانت عنوانا لحزام البؤس والفقر في لبنان وبيروت تحديدا، ومنه انطلق هذا الحزام ليلفّ بيروت بآلاف العائلات الفقيرة القاطنة والوافدة إليها من جنسيات وعرقيات وقوميات مختلفة ومتعددة، كانوا خلال نصف قرن ويزيد امتحان للقدرة الإنسانية للعيش والحياة واستمرارها في ظل الظروف القاسية ومدى تحمّله لكل ضروب القهر الإجتماعي والإنساني...
وكان إحساس ومشاعر هذه العائلات الفقيرة والمتوسطة الدخل والنامية هامشيا عند أطراف البحر وعلى مداخل العاصمة والملاصقة لمينائها البحري انها تنتمي إلى وطن لا يريد التعامل معها إلّا على أساس منطق التفرقة والتمييز عن غيرها من المناطق رغم جذورها الوطنية اللبنانية في هويتها وانتمائها للوطن، كما يرفض الإعتراف بحقها في حياة كريمة خالية من الإذلال والتمييز العنصري والطبقي والمذهبي والديني، ولا يرى هذا الوطن حرجاً في وصم أبناء هذه المنطقة بالأغراب والدخلاء وذلك ليتهرّب من واجباته الوطنية والإنسانية إزاء المنطقة ومواطنيها.
قرابة النصف قرن لذكرى اجتياح الميليشيات اليمينية الانعزالية المسلحة لمنطقة المسلخ والكرنتينا والتي لم تتغيّر ولم تتبدّل رغم العودة المجتزأة لبعض سكانها ما زالت مدمرة لأكثرية أبنيتها ومتصدّعة للقلّة الباقية منها وذلك بفعل حرب الآخرين على أرضها بعد الاجتياح، والتهجير وحروب الآخرين على أرضها (معارك القوات ضد الجيش اللبناني) وجراء زلزال مرفأ بيروت، في آب 2020.. وعقارات وأراضٍ لم تسلّم بعد لأصحابها وكأن التهجير لا يزال قائما...
أن نهج السلطة لم يتغيّر قبل التهجير وبعده، إهمال وتقصير مقصودين وغياب أي تطور بنيوي عمراني أو اجتماعي للمنطقة رغم تواجد العديد من المؤسسات الرسمية والخاصة فيها...
في الذكرى الخمسين للإجتياح، نستذكر منطقة المسلخ والكرنتينا وهي الجامعة لكل الأطياف والأعراق والجنسيات المختلفة والعائلات اللبنانية، مسيحية وإسلامية، في أبهى صور الوحدة الوطنية والتعايش الوطني والأخوي جمعهم الأمن والأمان والفقر والعوز...
نستذكرها اليوم وشعبها ينبض بالوطنية والعروبة وينحاز لكل قوى التحرر الوطنية والقومية تعبيراً عن أصالته ومشاعره في الإنتماء للقومية العربية ولوطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج...
نستذكر اليوم الحلم السراب للميليشيات اليمينية المسلحة بإقامة الكانتون المسيحي من بيروت وحتى جسر المدفون والذي ما كان ليتم إلّا بتطهير المناطق ذات الإنتماء الوطني والديني والمتعارض مع مخططاتهم وتوجهاتهم السياسية والعرقية والدينية وكانت مجازر الكرنتينا والنبعة وتل الزعتر ومخيمات ضبيه وجسر الباشا بداية الحلم للدويلة وللكانتون الإنعزالي.
نستذكرها اليوم عزيزة كريمة رغم الجراح والفراق لمئات الشهداء عدا عشرات الجرحى والمعاقين وأشهر الحصار لأكثر من ثلاثين ألف مواطن محاصرا حُرم عليهم المأكل والمشرب والدواء والخبز والحليب لأطفالهم...
ليس نكأ للجراح والعودة إلى فتح صفحات الحرب الدموية السوداء، بل لنستلهم الدروس والعِبَر كي لا تتكرر وتعاد وبالاً وخراباً, ودماراً ليس لمنطقة معينة تدفع الثمن بل الوطن كله..
أن بناء الأوطان والمجتمعات المتقدمة أساسه التسامح ونسيان الأحقاد والتمسّك بالقيمة الوطنية الواحدة والتي تجمع للعيش المشترك والوحدة الوطنية الجامعة دون تمييز طائفي أو مذهبي أو عنصري...
دفعنا ضريبة الحياة والبقاء تهجيرا ودماً ودماراً لمنطقتنا ورغم الجراح والألم والوجع سوف نبقى مع الوحدة الوطنية والعيش المشترك ونبقى مع لبنان السيد الحرّ المستقل موحّداً لجميع أبنائه، فالوطن يجمعنا والعدالة تحمينا ودولة القانون والمحاسبة تصون حقوقنا هذا عهدنا بالعهد الجديد رئيساً ومؤسسات.
قابضين على جمر الفراق لكل الأحبة والرفاق والأصدقاء ولكل الشهداء لهم الرحمة والمغفرة أحياء عند ربهم يرزقون.