في مدينة تُحاصرها النيران من كل اتجاه، لم يعد سكان غزة يسمعون سوى دوي الانفجارات وصفير الصواريخ، لكن هذه المرة، لم يقتصر الأمر على القصف والدمار؛ فحتى الهواتف والإنترنت - آخر خيط يصلهم بالعالم - انقطع فجأة، ليتركهم في عزلة تامة عن الخارج.
«أصبحنا نصرخ في الفراغ»، يقول أحد الأهالي وهو يحاول عبثاً تشغيل هاتفه الذي فَقدَ الإشارة منذ أيام، في شوارع مخيم الشاطئ، لا يكاد أحد يعرف ماذا يحدث على بُعد مئات الأمتار فقط، ولا أين سقطت القذيفة التالية.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أكد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي عزلت نحو 800 ألف فلسطيني في مدينة غزة عن العالم الخارجي، بعد أن قطعت خدمات الاتصالات والإنترنت بالكامل الأربعاء الفائت.
وأوضح أن هذا الإجراء جاء بالتزامن مع تقدم آليات الجيش الإسرائيلي في الأحياء الشمالية الغربية من المدينة.وأضاف أن القصف المتواصل وتدمير الأبراج السكنية والبنية التحتية للاتصالات تسبب في تعتيم كامل على غزة، مما يضاعف من معاناة المدنيين.
عزلة كاملة
منذ سنوات يعيش أهل غزة حصاراً خانقاً، لكن انقطاع الاتصالات جعل الحصار أشدّ قسوة، لم يعد بالإمكان الاتصال بالإسعاف أو الدفاع المدني، ولم تعد نداءات الاستغاثة تصل إلى الجهات المعنية، المصابون تحت الركام قد ينزفون ساعات طويلة قبل أن يعثر عليهم أحد بالصدفة.
المركز الفلسطيني للإعلام أشار في تقرير صحفي إلى أن الأطباء يؤكدون أن غياب الإنترنت والهواتف يضاعف أعداد الضحايا، فالوقت الذي كان يُنقذ حياة مصاب أصبح يُهدر في البحث عن وسيلة بديلة للوصول.
الصحفيون بدورهم يعيشون مأساة مضاعفة، فالمراسلون يضطرون للصعود إلى أسطح المباني المهدّدة بالقصف لالتقاط إشارة ضعيفة لشريحة اتصال رقمية، في محاولة يائسة لبثّ صورة أو خبر يروي ما يجري. يقول أحدهم: «أحياناً تكون حياتنا معلقة بين ضربة جوية وبين إرسال رسالة واحدة».منظمات الإغاثة، مثل الهلال الأحمر والأونروا، وجدت نفسها عاجزة عن تنسيق تحركاتها، غرفة الطوارئ لا تستطيع الوصول إلى فرقها المنتشرة، والمستشفيات لا تقدر على إيصال نداءاتها للمجتمع الدولي.
المرصد الأورومتوسطي وثّق استهدافاً متكرراً للأبراج السكنية التي تحتضن محطات البث، الهدف، وفق ما يؤكد، ليس عسكرياً بحتاً، بل هو سياسة ممنهجة لعزل غزة عن العالم ومحو ملامحها العمرانية، ودفع الناس للنزوح القسري جنوباً.
ومع نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات الاتصالات، يلوح في الأفق خطر انقطاع كامل طويل الأمد، ما يعني أن غزة قد تدخل في عزلة سوداء لا يقطعها سوى أصوات الانفجارات وصفارات الإسعاف.
«سكاي لاين» الدولية لحقوق الإنسان
منظمة «سكاي لاين» الدولية لحقوق الإنسان أدانت قطع سلطات الاحتلال الإسرائيلي خدمات الإنترنت والاتصالات في قطاع غزة بشكل متعمّد، وعدّت أن هذه الخطوة تأتي في إطار سياسة ممنهجة لإخفاء الجرائم والانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين.
وأوضحت المنظمة، في بيان صحفي، أنّ الانقطاع الجديد يندرج ضمن سلسلة طويلة من عمليات قطع الاتصالات المتعمدة التي تتكرر في أوقات تصاعد القصف الجوي، النزوح الجماعي، وارتفاع أعداد الشهداء من المدنيين.
وأضافت أن الانقطاع الأخير يتزامن مع توسّع الاجتياح البري لمدينة غزة وإصدار القوات الإسرائيلية أوامر بالإخلاء الجماعي للسكان.
وأكدت «سكاي لاين» أنّ قطع الإنترنت يضاعف معاناة أكثر من مليوني فلسطيني، إذ يفرض صمتاً قسرياً على الصحفيين ويمنع نقل صورة الانتهاكات إلى العالم، كما يعيق تنسيق عمل المستشفيات وفرق الطوارئ ويعرقل وصول الوقود والإمدادات الطبية الحيوية، بما يهدّد بانهيار المنظومة الصحية خلال أيام قليلة.
وشدّدت المنظمة على أن الانقطاعات المتكررة للإنترنت تمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية، بما فيها حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، مؤكدة أن الاحتلال يستخدم الاتصال كسلاح حرب لتعميق معاناة المدنيين.وطالبت «سكاي لاين» بالاستعادة الفورية والكاملة لخدمات الاتصالات والإنترنت في قطاع غزة، ووقف استهداف البنية التحتية للاتصالات، إلى جانب رفع الحصار المفروض على الوقود والمعدات اللازمة لضمان استمرار الخدمات الأساسية.
كما دعت إلى حماية الصحفيين والعاملين في الإعلام والجهات الإنسانية، وضمان قدرتهم على أداء عملهم بأمان، مؤكدة على ضرورة إنشاء آليات مساءلة دولية للتحقيق في استخدام الإنترنت كسلاح لارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
وأعلنت شركة الاتصالات الفلسطينية، صباح الأربعاء، انقطاعا في خدمات الإنترنت الثابت والاتصالات الأرضية في مدينة غزة وشمال القطاع نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر.
وقالت الشركة، في بيان، «انقطاع في خدمات الإنترنت الثابت والاتصالات الأرضية في محافظتي غزة وشمال غزة».
وأضافت: «هذا الانقطاع يأتي نتيجة استهداف الجيش الإسرائيلي عدة مسارات رئيسية مغذّية للمنطقة في ظل العدوان المستمر». وأردفت الشركة: «طواقمنا تعمل على مدار الساعة لإصلاح الأعطال في ظل الوضع الميداني الخطير».
حرب بلا شهود
الإنترنت لم يكن مجرد رفاهية لسكان غزة، بل نافذتهم الوحيدة ليروا العالم ويراهُم العالم، ومع قطع هذه النافذة، يصبح القصف مضاعفاً: قصف يقتل الجسد، وصمت يطمس الحكاية.
اليوم، تبدو غزة وكأنها تُمحى بصمت، سكانها يواجهون القصف والجوع والعزلة، بينما يحاولون التشبّث بأي وسيلة للبقاء، حتى لو كانت مجرد إشارة ضعيفة تلتقطها هواتفهم على سطح بناية آيلة للسقوط.