بيروت - لبنان

اخر الأخبار

بوابة العالم

9 آذار 2026 08:10م من مضيق هرمز إلى بحر البلطيق

لماذا تقلق حرب إيران دول الشمال الأوروبي؟

حجم الخط
اللواء – دولي
رغم المسافة الجغرافية بين الخليج وشمال أوروبا، تتابع دول مثل السويد وفنلندا والدنمارك تطورات الحرب مع إيران بقلق متزايد. فالتصعيد في الشرق الأوسط لا يُنظر إليه في ستوكهولم أو هلسنكي بوصفه أزمة بعيدة، بل كعامل قد يترك أثراً مباشراً على الاقتصاد الأوروبي وأسواق الطاقة العالمية، وربما أيضاً على الحسابات الأمنية داخل حلف شمال الأطلسي.
في عالم مترابط اقتصادياً، لم تعد الصراعات محصورة في مناطقها الجغرافية. فالتوترات في الخليج، أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، يمكن أن تنعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز وعلى حركة التجارة الدولية التي تعتمد عليها الاقتصادات الأوروبية. ولهذا لم يعد السؤال في العواصم الأوروبية ما إذا كانت الحرب بعيدة جغرافياً، بل إلى أي مدى يمكن أن تصل تداعياتها الاقتصادية والسياسية.
مضيق هرمز… عقدة الطاقة العالمية
يحتل الخليج موقعاً محورياً في سوق الطاقة الدولية. فمضيق هرمز، الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي، يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في الاقتصاد الدولي.
وتشير تحليلات أسواق الطاقة إلى أن أي اضطراب طويل في الملاحة البحرية في هذا الممر قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تتعافى من أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا عام 2022.
ولا يقتصر التأثير على النفط. فالقارة الأوروبية تعتمد أيضاً على واردات الغاز الطبيعي المسال، ويأتي جزء مهم منها من الخليج. كما تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، إذ يأتي أكثر من نصف استهلاكها من مصادر خارجية، ما يجعل استقرار طرق الإمداد العالمية مسألة استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي.
اقتصادات الشمال الأوروبي في خط التأثر الأول
رغم أن الدول الاسكندنافية ليست من كبار مستوردي النفط من الشرق الأوسط مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى، فإن طبيعة اقتصاداتها المفتوحة تجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في الاقتصاد الدولي.
فالسويد والدنمارك وفنلندا تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الدولية والصناعات المتقدمة، ما يجعل استقرار سلاسل التوريد العالمية عاملاً أساسياً في استقرار اقتصاداتها.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط غالباً ما تظهر آثارها في أوروبا عبر الاقتصاد قبل السياسة، إذ تتأثر الاقتصادات المفتوحة بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو النقل العالمي. ففي اقتصاد عالمي شديد الترابط، قد يكون أثر الحرب في أسعار الشحن أو الطاقة أسرع من أثرها في موازين القوى السياسية.
من الاقتصاد إلى الأمن
إلى جانب الاقتصاد، تراقب الأجهزة الأمنية الأوروبية أيضاً انعكاسات التوترات في الشرق الأوسط على الأمن الداخلي. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الصراعات الإقليمية قد تمتد أحياناً إلى الساحة الأوروبية، سواء عبر التوترات السياسية أو من خلال تداعيات أمنية مرتبطة بالصراع.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة الشمال الأوروبي تحولاً مهماً في سياستها الأمنية، بعد انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي خلال السنوات الأخيرة، في خطوة أعادت رسم التوازنات الأمنية في شمال أوروبا. هذا التحول جعل دول الشمال أكثر ارتباطاً بالسياسات الأمنية الغربية في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط.
صراع إقليمي في نظام دولي متغير
يرى عدد من المحللين أن التوترات في الخليج تعكس أيضاً تحولات أوسع في النظام الدولي. فمع تزايد الترابط بين الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة والتجارة، باتت الصراعات الإقليمية قادرة على التحول بسرعة إلى أزمات ذات تأثير عالمي.
وفي هذا السياق يشير خبراء العلاقات الدولية إلى أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران قد تتجاوز حدود المنطقة، نظراً لما تحمله من تداعيات محتملة على أسواق الطاقة وعلى التوازنات السياسية بين القوى الكبرى. فالصراع في الشرق الأوسط غالباً ما يكون اختباراً مبكراً لتحولات أوسع في ميزان القوى العالمي.
صراع بعيد… وتأثير قريب
بالنسبة لدول شمال أوروبا، قد لا تكون الحرب مع إيران تهديداً عسكرياً مباشراً. لكن في اقتصاد عالمي يعتمد على استقرار الطاقة والتجارة، فإن تداعياتها قد تظهر سريعاً في أسعار الوقود وتكاليف النقل وحتى في استقرار الأسواق المالية.
ولهذا يراقب صناع القرار في ستوكهولم وهلسنكي وكوبنهاغن تطورات الأزمة في الخليج بقلق استراتيجي واضح. فالأزمة قد تبدو بعيدة جغرافياً، لكنها في الواقع جزء من شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية التي تربط الشرق الأوسط بالاقتصاد العالمي.
وفي عالم يتزايد فيه التنافس بين القوى الكبرى وتتكرر فيه الصدمات الجيوسياسية، تبدو صراعات الشرق الأوسط اليوم أكثر تأثيراً من أي وقت مضى في استقرار الاقتصاد الدولي، حتى في مناطق بعيدة مثل شمال أوروبا.

محمد أسعد- كاتب صحفي- السويد