الصمت السياسي ظاهرة مركبة تتجاوز الانطباعات والاحتمالات، فالامتناع عن التعبير العلني لا يعني بالضرورة انعدام الوعي السياسي، والصمت قد يعكس حالة رضا واستقرار، أو يعكس حالة استياء مكبوت ينتظر لحظة الانفجار، هذا الغموض يجعل من الصمت السياسي اختباراً حقيقيا لمراكز القيادة والتحكم وقدرتهم على قراءة الصمت المجتمعي بوسائل تتجاوز معايير الضجيج.
الصمت السياسي اللبناني هو من مظاهر الوعي العام الذي تكون خلال تراكم مراحل العنف الطويلة والمتعددة والمتنوعة من الحروب الاهلية والعنف الطائفي، الى قمع المليشيات والوصايات والاحتلالات والاغتيالات، مما أدى الى توليد مجتمعات فاقدة لأسباب الأمان الشخصي والمجتمعي وتسود فيها ثقافة الخوف من الاستقطاب السياسي، بالإضافة الى فشل كل الانتفاضات السياسية، مما جعل من الانكفاء والصمت حالة تخزين طاقة احتجاجية كامنة غالبا ما تحدث عند خروجها تصدعات وتحولات كبرى.
الديموقراطيات الغربية تواكب التفاعل بين المجتمع والسلطة من خلال الضجيج في الشوارع، والاعتصامات والمظاهرات الجامعية والنقابية والهيئات الاهلية، والنقاشات المفتوحة في الإعلام، كلها تمثل قنوات ضغط مباشرة على المؤسسات الحكومية والحزبية، والمرجعيات السياسية هناك تتعامل مع استطلاعات الرأي والنقاشات العامة بجدية، وتستشعر اتجاهات الرأي العام، وهذا الانفتاح يجعل الحراك الصاخب عنصراً مؤثراً في إعادة تشكيل السياسات.
الصمت السياسي اللبناني يختبئ خلف تعاظم الضجيج والانقسام عبر وسائل الإعلام المتنوعة والكثيرة، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد الاعتقاد بان لبنان لا يزال واحة الحريات الفردية والجماعية، في حين ان المتفاعلين مع الضجيج السياسي لا يشكلون نسبة عالية من مجموع الشعب اللبناني مما يجعل الاكثرية المطلقة في لبنان تعيش حالة من الصمت السياسي العميق والمريب.
الديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط من خلال تنظيم العمليات الانتخابية، بل بقدرتها على التقاط الإشارات الصامتة وفهم ما يقال وما يكتم، فالضجيج قد يكون سهل القراءة والتفاعل، لكن الصمت يظل أكثر تعقيدا، لأنه يختبر وعي السلطة والاستجابة قبل الانفجار، وفي هذا المعنى يمكن القول إن السلطات الحكيمة هي التي تفكك شيفرة الصمت السياسي قبل أن يتحول إلى عاصفة هوجاء.