رامي ضاهر
تتكرّر في لبنان سنوياً مشاهد الحرائق التي تلتهم الأحراج والغابات، حتى باتت هذه الظاهرة جزءاً من المشهد الطبيعي، على الرغم من أنها تشكّل كارثة بيئية واقتصادية وصحية بكل المقاييس. فمن الجنوب إلى البقاع، مروراً بإقليم الخروب والشوف وعكار، تتوسّع رقعة النيران كل عام، فيما تغيب خطط الوقاية الجدّية، وتتعطّل تجهيزات الدفاع المدني، وتبقى الدولة في موقع المتفرّج.
تُظهر الإحصاءات البيئية أنّ المساحات المحروقة خلال السنوات الأخيرة تجاوزت عشرات آلاف الهكتارات، فيما سجّل عام 2024 وحده أكثر من 16 ألف هكتار محروقة بين الجنوب والبقاع والشمال، تاركاً خلفه خسائر فادحة في الغطاء الأخضر والتنوّع البيولوجي، إضافة إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بمئات ملايين الدولارات.
حرائق تمتد من الجنوب إلى البقاع والإقليم: مشهد كارثي
شهد الجنوب في الأشهر الماضية سلسلة حرائق كبيرة، خصوصاً في بنت جبيل والناقورة ومحيط القرى الحدودية، وأتت النيران على مساحات واسعة من الأحراج الطبيعية وأشجار الزيتون القديمة.
وفي البقاع، اشتعلت النيران في السهول العشبية والأودية الوعرة، ما صعّب عملية الإطفاء وأدّى إلى خسائر كبيرة للمزارعين الذين فقدوا أشجار الفاكهة والكروم.
وفي إقليم الخروب، اندلعت حرائق ضخمة اقتربت من المنازل وامتدت عشرات الساعات، بينما وقف الأهالي وفرق المتطوعين أمام النيران بوسائلهم البدائية، وسط غياب شبه كامل لخطة استجابة سريعة.
الجنوب والبقاع الغربي: حرائق مفتعلة واعتداء مباشر
إلى جانب الحرائق التقليدية الناتجة عن الإهمال أو العوامل المناخية، برز في الجنوب والبقاع الغربي نوع آخر من النيران: حرائق مفتعلة مصدرها العدو الصهيوني.
حتى اليوم، تشير التقارير الميدانية والصور الجوية إلى أنّ نحو 89 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والحراجية قد تم إحراقها في الجنوب والبقاع الغربي نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. هذه السياسة ليست جديدة، بل جزء من استراتيجية واضحة تستهدف:
- تدمير الثروة الزراعية.
- تهجير السكان من القرى الحدودية.
- القضاء على المحاصيل الأساسية والمعمّرة.
- إفراغ المناطق من حركتها الاقتصادية الطبيعية.
ومن بين المناطق الأكثر تضرراً: القرى الحدودية في قضائيّ صور وبنت جبيل والعرقوب والبقاع الغربي، حيث تم تسجيل حرائق ضخمة بفعل قصف الفوسفور الأبيض والقذائف الحارقة.
الوزير السابق ناصر ياسين: «الحرائق ليست قدراً... هي نتيجة غياب الوقاية وعدم الجهوزية»
في حديث خاص، يوضح وزير البيئة السابق ناصر ياسين أنّ ما يشهده لبنان اليوم «لم يعد مجرد حرائق موسمية، بل أزمة وطنية سببها الأساسي الإهمال»، قائلاً: «صحيح أن الظروف المناخية تلعب دوراً محفّزاً، لكنّ النسبة الساحقة من الحرائق في لبنان هي بفعل الإنسان، سواء عن قصد أو بسبب الإهمال».
ويضيف موضحاً خطة الطوارئ التي نفّذتها الوزارة بين 2022 و2024: «لم يكن انخفاض المساحات المحروقة في تلك الفترة صدفة، بل نتيجة خطة طوارئ شملت الوقاية، والإنذار المبكر، وتجهيز الفرق المستجيبة الأولى. المشكلة اليوم ليست في غياب الدراسات، بل في غياب تنفيذها».
ويشدّد ياسين على أهمية دعم الدفاع المدني: «لا يمكن مواجهة حرائق بهذا الحجم بآليات قديمة وطواقم غير مدرّبة. نحن بحاجة إلى تجهيزات حديثة، وطوافات فاعلة، وتمويل مستدام».
نجاة صليبا: «هناك من يشعل النار ليستثمر في الأرض... وقد قدّمتُ قانوناً لمنع ذلك»
من جهته، يؤكد النائب نجاة صليبا أن خطورة الملف لا تكمن فقط في الحرائق، بل في ما يليها من استغلال عقاري: «ما يحصل في بعض المناطق هو اعتداء منظّم على الأحراج. تُحرق الأشجار ليصار لاحقاً إلى تغيير تصنيف الأراضي لصالح مشاريع استثمارية. هذا أمر خطير وخارج عن الأخلاق والقانون».
ويضيف: «قدّمتُ اقتراح قانون معجل مكرّر يمنع قطع أي شجرة محروقة أو دخول الآليات إلى الأحراج، ويمنع تغيير تصنيف الأراضي لمدة عشر سنوات على الأقل، إلى حين استعادة الغابة قدرتها الطبيعية على التجدد».
ويؤكد أن الحل يبدأ من الوقاية: «حماية الأحراج تبدأ قبل اندلاع النار: تنظيف، وشقّ طرق نار، ومراقبة، وتوعية. أما بعد الحريق، فهناك مسؤولية كبيرة في إعادة التشجير وحماية التنوّع البيولوجي».
الناشط البيئي فراس الأشقر: «الدفاع المدني يقاتل بيدين فارغتين»
يشرح الناشط البيئي فراس الأشقر الواقع المرير لعناصر الإطفاء: «لا طوافات، لا آليات حديثة، ولا معدات للرشّ في المناطق الوعرة. العناصر يعملون بأدوات محدودة وخطرة، في وقت تتسع رقعة الحرائق ويصعب الوصول إليها».
ويضيف: «نحتاج إلى خطط وقائية فعّالة، تجهيزات، تدريب، وبنية تحتية داخل الأحراج. من دون ذلك، سنستمر في عدّ الخسائر موسماً بعد آخر».
الخسائر البيئية والاقتصادية: كارثة وطنية
- خسارة مساحات شاسعة من الغابات الطبيعية.
- تدمير التنوّع البيولوجي ونفوق الحيوانات البرية.
- تدهور التربة وزيادة خطر الانجراف في الشتاء.
- خسائر زراعية ضخمة، خاصة في الجنوب والبقاع.
- تراجع إنتاج الزيتون والفاكهة.
- أضرار في الممتلكات وارتفاع الأمراض التنفسية في القرى المتضررة.
تقدَّر الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بما يفوق 125 مليون دولار سنوياً، بحسب تقارير منظمات دولية.
غياب الدولة... وحضور المواطنين
يتفق جميع الخبراء الثلاثة على نقطة أساسية: الدولة لا تقوم بدورها.
الأهالي والمتطوعون هم من يقفون في الصفوف الأولى، بينما أجهزة الدولة تعاني نقصاً كبيراً في العدة والعدد والتمويل.
غياب خطة وطنية واضحة واستمرارية عمل بين الوزارات والبلديات والدفاع المدني يجعل كل موسم حرائق نسخة مكررة من سابقاتها.
الحلول المطلوبة... قبل أن تصبح الأحراج رماداً
1. وضع خطة وطنية إلزامية وتنفيذية للوقاية والاستجابة.
2. تجهيز الدفاع المدني بالمعدات والطوافات والتقنيات الحديثة.
3. تنفيذ اقتراح القانون الذي يمنع استغلال الأراضي المحروقة لمدة 10 سنوات.
4. إنشاء فرق محلية متطوّعة ومدرّبة في كل بلدة حرجية.
5. تفعيل نظام الإنذار المبكر.
6. إطلاق برنامج وطني لإعادة التشجير.
من جهته، أكّد مسؤول مرصد الحرائق غازي عيسى أنّ التوعية في المدارس والجامعات أصبحت بنداً أساسياً لتثقيف الجيل الصاعد حول مخاطر الحرائق، إضافة إلى أهمية تنظيف الأحراش، ودعم المراكز بعناصر وآليات حديثة، وإنشاء ممرات آمنة لفرق الإطفاء، لضمان سرعة الاستجابة وتقليل الأضرار.
إذا إنّ حماية الغابات ليست خياراً، بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني. الحرائق التي تلتهم الجنوب والبقاع وسواهما ليست ظاهرة طبيعية فقط، بل نتيجة مباشرة للإهمال، وغياب الجهوزية، والاستغلال. ومع كل شجرة تُحرق، يخسر لبنان جزءاً من رئته الخضراء ومن هويته البيئية والاقتصادية.
الصوت اليوم للخبراء، وللناشطين، ولأهالي المناطق الذين يواجهون النار بصدورهم. والأمل أن تسمعه الدولة، قبل أن يصبح ما تبقّى من أحراج لبنان مجرّد ذكرى.