لم تعد الحرب الأهلية في لبنان حدثًا تاريخيًا نضعه في الكتب ونختمه بعبارة "انتهت عام 1990”…. هي لم تنتهِ فعليًا، بل غيّرت شكلها! نزعت بزّتها العسكرية، وارتدت هيئة حسابات وهمية و تعليقات، منشورات، وحملات رقمية. ما نشهده اليوم ليس مجرّد "سجال سياسي” بل شكل جديد من الحرب: حرب بلا دماء لكنها ليست أبداً بلا عنف…
في الفضاء الإلكتروني، يُعاد إنتاج الانقسام نفسه لكن بوتيرة أسرع وبحدّة أشد… ومن دون أي ضوابط!!!كل فرد بات يملك منبرًا وكل منبر قد يتحوّل حرفيّاً إلى متراس... لم نعد بحاجة إلى خطوط تماس جغرافية، لأنّ خطوط التماس أصبحت نفسية تمرّ داخل كل شخص وتنفجر على الشاشات…
ما الذي يحدث فعليًا؟
نحن أمام تفريغ نفسي جماعي: الغضب المكبوت، الإحباط، الشعور بالظلم، كلّها تبحث عن منفذ... وفي غياب مؤسسات قادرة على الاستيعاب أو العدالة يتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة إسقاط: نُسقِط فيه مخاوفنا و نُسقِط فيه عجزنا ونُسقِط فيه صورة "العدو” التي لم ننجح يومًا في تفكيكها…
بهذا المعنى، الحرب الإلكترونية ليست ترفًا بل ضرورة نفسية غير واعية، هي محاولة لاستعادة شعور بالقدرة: أنا أكتب، إذًا أنا موجود…أنا أهاجم، إذًا أنا قوي... أنا أهين،لأنني منتصر…لكنها قوة وهمية، لأنّها لا تغيّر الواقع بل تعيد تدوير الألم داخله…
الأخطر أنّ هذه الحرب تُنتج ما يمكن تسميته بـتطبيع العنف الرمزي… الشتيمة تصبح رأيًا، الإلغاء يصبح موقفًا! والتخوين يتحوّل إلى لغة يومية….ومع الوقت، يفقد العنف صدمته ويصبح جزءًا من "الطبيعي”. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين نعتاد على العنف في اللغة و نصبح أقرب إلى قبوله في الواقع….
لكن لماذا هذا الانفجار تحديدًا الآن؟
لأنّ الذاكرة لم تُشفَ. الحرب الأهلية اللبنانية لم تُعالَج نفسيًا، بل دُفنت سياسيًا... لا عدالة انتقالية، لا مواجهة حقيقية…ولا مصالحة ومصارحة، لا اعتراف جماعي… النتيجة: ذاكرة حيّة بلا إطار، جاهزة للانفجار عند كل استفزاز…
الفضاء الإلكتروني هنا يلعب دور "المُحفِّز”، كل حدث سياسي و كل تصريح أو خبر يتحوّل إلى شرارة تُشعل ذاكرة لم تهدأ أصلًا... وهكذا لا نناقش الحاضر بقدر ما نُعيد تمثيل الماضي…
لكن ثمّة عامل إضافي يضاعف هذا الاشتعال: الخوارزميات!!!
المنصّات الرقمية لا تعمل بحياد بل تغذّي ما يثير التفاعل... وكلما كان المحتوى أكثر حدّة وغضبًا زادت فرص انتشاره و نسب مشاهداته.. هكذا، يجد المستخدم نفسه محاطًا بآراء تشبهه أو تستفزّه فيدخل في حلقة مغلقة من التعزيز أو المواجهة…
الخوارزمية هنا، لا تخلق الكراهية لكنها تضخّمها…تجعل الصوت العالي أعلى…والانقسام أعمق!!وتحوّل النقاش إلى استقطاب دائم وبمرور الوقت يبدأ الفرد بالاعتقاد أنّ "الجميع” يفكّر مثله أو أنّ "الجميع” ضدّه!!! وفي الحالتين، يتراجع احتمال الحوار…وربما ينعدم!
ولا يمكن إغفال دور بعض وسائل الإعلام التي انتقلت من نقل الخبر إلى استثماره... العناوين الاستفزازية، المقابلات التصادمية وتضخيم الخلافات…كلّها تساهم في تغذية هذا المناخ و الإعلام هنا لا يهدّئ، بل يؤجّج!! لا يفسّر، بل يحرّض!! أحيانًا عن قصد، وأحيانًا بحثًا عن نسب مشاهدة أعلى…
من جهة أخرى، هذه الحرب تكشف هشاشة الهوية الفردية. حين تكون الهوية غير مستقرة، يصبح الانتماء السياسي أو الطائفي ملاذًا نفسيًا…الدفاع عنه يتحوّل إلى دفاع عن الذات التي باتت تمتاز بالتشرذم… لذلك، أي نقد يُستقبَل كتهديد شخصي، وأي اختلاف يُفسَّر كعداء…
في هذا السياق، لا يعود الهدف هو الإقناع بل الانتصار... لا نتحاور لنفهم، بل لنُسكت الآخر… وهذه هي بالضبط آلية الحروب: إلغاء الآخر، لا التعايش معه!
السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام خطر فعلي؟
الجواب ليس بسيطًا… الحرب الإلكترونية ليست حربًا عسكرية، لكنها تُعيد تهيئة النفوس لمنطق الحرب... تُدرّبنا يوميًا على الانقسام، على الكراهية وعلى رؤية الآخر كتهديد... هي و بهذا المعنى ليست بديلًا عن الحرب، بل قد تكون تمهيدًا نفسيًا لها…
ومع ذلك، يمكن قراءة هذا المشهد بطريقة أخرى: ما يحدث هو أيضًا صرخة... صرخة مجتمع لم يجد طريقة أخرى للتعبير... صرخة تقول إنّ هناك شيئًا غير محلول، غير مفهوم وغير مُعالَج!!
الحلّ لا يكون بإسكات هذه الأصوات، بل بفهمها... ليس بتجريم الغضب بل بإيجاد مكان له خارج منطق التدمير… وهنا، يبرز دور التربية النفسية والإعلام المسؤول في خلق مساحات آمنة للنقاش، حيث يمكن تحويل الصراع من مواجهة… إلى فهم.
كما أنّ على الفرد نفسه أن يمارس نوعًا من "الوعي الرقمي”: أن يدرك أنّ ما يراه ليس الحقيقة الكاملة، وأنّ ردّ فعله جزء من لعبة أكبر تُدار بالخوارزميات… هذا الوعي لا يُلغي الصراع، لكنه يحدّ من تحوّله إلى عنف!
ولا يمكن فهم هذه الحرب الإلكترونية من دون التوقّف عند المشاجرات اليومية التي تدور على منصّات مثل X (formerly Twitter) وTikTok، حيث يتحوّل النقاش بسرعة إلى اشتباك…
هذه المشاجرات لا تشبه الخلافات التقليدية، بل تحمل بنية أقرب إلى "تفريغ انفعالي جماعي”… على X (formerly Twitter)، يكفي تعليق واحد ليُطلق سلسلة ردود متصاعدة، يدخل فيها مئات الأشخاص لا بهدف الفهم، بل بهدف الانتصار... التغريدة تُستَخدم كسلاح، والردّ كضربة مضادّة وكأنّنا أمام مبارزة لغوية لا تعترف إلا بمن يُسكت الآخر…
أما على TikTok، فالمشاجرة تأخذ شكلًا آخر: ردود فيديو، سخرية، محاكاة،حيث يتحوّل الخلاف إلى عرض جماهيري... هنا لا يعود الصراع ثنائيًا، بل يصبح مشهدًا يتغذّى على المشاهدة والتفاعل، وكلما ازداد الاستفزاز ارتفعت نسبة الانتشار والمشاهدة...
نفسيًا، هذه المشاجرات تُشبع حاجة مزدوجة: التعبير عن الغضب من جهة، والشعور بالانتماء من جهة أخرى… فالفرد لا يتشاجر فقط ليُعبّر، بل أيضًا ليجد من يشبهه ومن يصفّق له ومن يقف في صفّه….وهكذا، تتحوّل المشاجرة إلى مساحة إثبات: أنا موجود، أنا لست وحدي، وأنا على "حق”…
لكن المفارقة أنّ هذا النوع من الاشتباك لا يُنتج أي حلّ، بل يعمّق الانقسام... لأنّ كل طرف يخرج منه أكثر اقتناعًا بنفسه، وأكثر رفضًا للآخر…وهنا تحديدًا، تتحوّل المشاجرة من مجرّد ردّة فعل إلى آلية دائمة تُعيد إنتاج الصراع….
لا يمكن فصل مشهد التشرذم الطائفي عن مسؤولية مباشرة لعدد من الزعماء الذين لم يكتفوا بإدارته، بل أعادوا إنتاجه وتغذيته بصورة ممنهجة…فقد تحوّل الخطاب السياسي لديهم إلى أداة تعبئة طائفية صريحة، تُستثمر فيها الهويات الضيقة لإعادة تثبيت النفوذ وتوسيع القاعدة الشعبية على حساب فكرة الدولة… وهكذا، لم يعد الانقسام مجرد نتيجة ظرفية أو تاريخية بل صار خيارًا سياسيًا يُعاد ترسيخه كلما اقتضت مصالح السلطة ذلك ما يرسّخ هشاشة الكيان ويقوّض إمكان قيام مواطنة جامعة…
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دولة تستعيد دورها كسلطة ضابطة قادرة على وضع حدّ لخطابات التحريض والانقسام، عبر تفعيل القوانين التي تجرّم بثّ الكراهية والتجييش الطائفي، وإعادة الاعتبار لمنطق المواطنة فوق أي انتماء فرعي…
في النهاية، قد لا تكون الحرب الأهلية عادت فعلاً، لكنها بالتأكيد لم تغادرنا… هي تسكن لغتنا، ردود أفعالنا وطريقتنا في رؤية بعضنا البعض…والفضاء الإلكتروني لم يخترعها، بل كشفها ووسّعها….
يبقى السؤال الأصعب: هل نملك الشجاعة لنواجه هذه الحرب داخلنا، قبل أن نخوضها مجددًا في الواقع؟!
*معالجة نفسية وكاتبة في علم النفس العيادي،التربوي والسياسي