بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 أيار 2026 12:10ص جولة مفاوضات الحسم بواشنطن.. لبنان في مواجهة شروط إسرائيل وأحلام ترامب

حجم الخط
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تنطلق الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية مباشرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب. وبينما يخيّم صوت المدافع على الجنوب اللبناني، تفتتح أروقة وزارة الخارجية الأميركية فصلاً جديداً من الصراع الدبلوماسي يومي الخميس والجمعة الرابع عشر والخامس عشر من أيار الحالي، في محاولة لترجمة الضغط العسكري الميداني إلى تسوية سياسية شاملة.
وتأتي هذه الجولة بعد أن استضافت واشنطن جولتين سابقتين جرتا على مستوى السفراء؛ الأولى في الرابع عشر من نيسان الماضي التي أفضت إلى هدنة لوقف إطلاق النار، والثانية في الثالث والعشرين منه برعاية الرئيس ترامب شخصياً، قبل أن يُمدَّد وقف النار ثلاثة أسابيع إضافية. ولأول مرة منذ فشل اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، تجلس حكومتا البلدين على طاولة مفاوضات مباشرة، وإن كانت الحرب لا تزال تدور على الأرض، وقد بلغ عدد الضحايا اللبنانيين أكثر من 2700 قتيل منذ الثاني اذار 2026 وفق السلطات اللبنانية.

• هيكلية التمثيل اللبناني

في خطوة تعكس رغبة بيروت في الانتقال من «التنسيق الأمني» إلى «التفاوض السياسي»، كلّف الرئيس جوزاف عون السفير الأسبق سيمون كرم برئاسة الوفد، وزوّده شخصياً في قصر بعبدا بالتوجيهات الرئاسية المتضمنة «الثوابت اللبنانية» قبيل سفره مباشرةً إلى واشنطن. يضم الوفد أيضاً السفيرة في واشنطن ندى حمادة معوض، والقائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري العميد الركن أوليفر حاكمة. وقد استُكمل تشكيل الوفد بعد تأكيد أن الجانب الإسرائيلي سيضم مستشارين عسكريين، فضُمّ إليه العميد وليد بركات.
وتتحرك هذه المجموعة تحت إشراف «فريق دعم» في بيروت يضم بول سالم وشوقي بو نصار والأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى، يؤدي دور مركز دراسات داعم يُسند المفاوض الأساسي ويمدّه بالخلفيات القانونية والتقنية.
في المقابل، يترأس الوفد الإسرائيلي الوزير السابق رون ديرمر الذي أوعز إليه نتنياهو بمتابعة الملف اللبناني بعد إعادة تكليفه، إلى جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر.

• الاستراتيجية اللبنانية: وقف النار أولاً

يحمل الوفد اللبناني توجيهات رئاسية وحكومية واضحة: «تثبيت وقف إطلاق النار هو المدخل الإلزامي لأي بحث تقني». وتطمح بيروت إلى جعل جلسة الخميس اختباراً لمدى جدّية الجانب الإسرائيلي والوسيط الأميركي في وقف العمليات العسكرية، لا سيما أن إسرائيل رفضت مسبقاً اشتراط لبنان وقف الحرب شرطاً لانطلاق الجولة، وواصلت خرق الهدنة منذ دخولها حيز التنفيذ. وقد جاءت الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، التي أودت بحياة قائد بارز في قوة الرضوان قُبيل انطلاق هذه الجولة، لتزيد من حدّة التوتر وتضع الوساطة الأميركية أمام اختبار صعب.
وفي حال النجاح في انتزاع هذا الالتزام، ستنتقل مباحثات الجمعة إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها: الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى الحدود الدولية، وإعادة نشر الجيش اللبناني جنوباً، وإطلاق سراح الأسرى وضمان عودة النازحين، فضلاً عن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في إطار خطة أمنية وطنية شاملة مدعومة دولياً. ولبنان لا يتجه نحو توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، بل نحو مسار يستعيد فيه حقوقه في مقابل اتفاق عدم عدوان.

• المقاربة الأميركية: «النهج الجديد» والقطيعة مع الماضي

تقود إدارة ترامب، عبر وزير الخارجية ماركو روبيو والمستشار مايكل نيدهام، رؤيةً تهدف إلى «تغيير قواعد اللعبة». وقد أكد روبيو أن «السلام ممكن»، مشيراً إلى أنه لا مشكلة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، وأن اتفاق السلام «قابل للتحقيق بامتياز»، مؤكداً أن حزب الله هو العقدة الحقيقية. وحدد المتحدث باسم الخارجية تومي بيجوت ملامح الرؤية الأميركية: بناء إطار لترتيبات سلام وأمن دائمين، وترسيم الحدود، وفتح مسارات لإعادة الإعمار، والتفكيك الكامل لسلاح حزب الله. وأكد روبيو أن واشنطن «لن تتفاوض مع حزب الله بل مع الحكومة اللبنانية».
ويسعى ترامب إلى تقديم هذا المسار إنجازاً شخصياً جديداً، بضم لبنان إلى مسار «الاتفاقات الإبراهيمية»، وهو ما يضيف بُعداً أميركياً داخلياً يزيد من الضغط على الطرفين للتوصل إلى نتيجة ملموسة. وتتردد في الأوساط السياسية إمكانية تحديد موعد لزيارة عون إلى واشنطن للقاء ترامب شخصياً، دون عقد لقاء مع نتنياهو في المرحلة الراهنة، إذ يبدو أن ترامب يُبدي تفهماً لمخاوف الرئيس اللبناني.

• حضور سعودي في كواليس المفاوضات

لا تجلس الرياض على طاولة واشنطن، لكنها حاضرة بثقلها في كواليس المفاوضات. والدور السعودي مزدوج ومركّب في آنٍ واحد: دعم للاستقرار اللبناني من جهة، وفرملة حذرة لإيقاع التسوية من جهة أخرى.
فعلى صعيد التدخّل المباشر، عمّقت المملكة انخراطها مع بيروت في الأيام الأخيرة، إذ كان وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان قد طالب بضمانات بأن حزب الله لن يسعى إلى إسقاط الحكومة اللبنانية، ونصح المسؤولين اللبنانيين صراحةً بعدم الإسراع في عقد لقاء قمة بين عون ونتنياهو في المرحلة الراهنة. وهو ما يفسّر جزئياً تمسّك الرئيس عون برفض هذا اللقاء حتى الآن.
غير أن القلق السعودي الأعمق ليس من إخفاق المفاوضات، بل من نجاحها المتسارع. فالرياض تخشى أن يتحول لبنان إلى «اتفاقية إبراهيمية» تُحرج الموقف العربي الجماعي قبل أن تنضج شروطه. وموقفها الثابت أنها لن تنضم إلى أي مسار تطبيعي ما لم يكن هناك طريق واضح نحو الدولة الفلسطينية. في المقابل، لا تريد الرياض الفوضى. فهي ترى في لبنان المستقر رصيداً استراتيجياً في مواجهة النفوذ الإيراني المتراجع، ولذلك تسعى إلى «تهدئة» لا «سلام».

• «التفاوض تحت النار» والحسابات الإسرائيلية

على الضفة الأخرى، تمارس إسرائيل سياسة «التفاوض تحت النار»؛ فبينما ترسل وفدها إلى طاولة التفاوض، واصلت طائراتها قصف القرى الجنوبية وتوسيع رقعة عملياتها حتى الطريق الساحلي وأطراف جبل لبنان. وقد طالبت تل أبيب واشنطن بتحديد إطار زمني للمفاوضات لا يتعدى منتصف مايو، محذّرةً من أن خروقات حزب الله «تقوض إمكانية التوصل إلى تفاهمات».
وتهدف إسرائيل إلى فرض شروط أمنية تتجاوز القرار 1701، تشمل ضمانات بعدم عودة التهديدات العسكرية إلى حدودها الشمالية، وهو ما ترفضه بيروت جملةً وتفصيلاً، مؤكدةً أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تمر إلا عبر المؤسسات الشرعية اللبنانية والجيش اللبناني حصراً.

• «عقدة القمة» والسيادة الوطنية

تبرز قضية لقاء القمة المقترح بين الرئيس عون ونتنياهو كأحد أبرز التحديات الدبلوماسية، إذ يتمسك عون برفض أي لقاء في الوقت الراهن، معتبراً أن «الوقت لم يحن للصور البروتوكولية» بينما لا تزال الدماء اللبنانية تُسفك. وقد أبلغت الرئاسة اللبنانية واشنطن أن أي لقاء مع نتنياهو في هذه المرحلة قد يُضعف جهود الاستقرار، وأبدى الجانب الأميركي تفهماً للموقف اللبناني.
وقد حرص الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام على التأكيد مراراً أن المحادثات لا تستهدف التطبيع مع إسرائيل، بل تثبيت وقف النار وإنهاء الاحتلال. وأكد سلام أن لبنان «منفتح على مناقشة أي جدول أعمال» شريطة أن يمرّ عبر مؤسسات الدولة وحدها.

• التحدّيات الداخلية: الانقسام الصامت

داخلياً، يواجه المسار التفاوضي انقساماً حاداً. فرغم أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يؤيد المفاوضات المباشرة مبدئياً، إلّا أنه يتمايز عن حليفه حزب الله بامتناعه عن «إشهار سلاحه السياسي» في وجه الوفد المفاوض، حرصاً على علاقته مع عون وسلام. أما حزب الله فقد رفض المفاوضات المباشرة صراحةً، غير أنه أعلن التزامه بوقف إطلاق النار مشترطاً أن يكون «شاملاً ويتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً». وهنا تكمن «عقدة اليوم التالي»: فالدولة تستطيع التفاوض، لكنها لن تستطيع فرض أي تسوية مستقرة إذا رفضها الحزب.

• البُعد الإقليمي: المتغيّر الإيراني

لا يمكن قراءة مفاوضات واشنطن بمعزل عن المشهد الإقليمي الأشمل. فأي اتفاق بين واشنطن وطهران في ملف إيران النووي قد يُخفف التوترات في لبنان تلقائياً، كما أن أي تصعيد إيراني - أميركي سيرتد سلباً على مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي. وقد أعلنت طهران دعمها لموقف لبنان شرط أن يمر أي جهد إيراني عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية ويُسهم في تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة.

• جولة واشنطن: بين الخرق والمراوحة

يدخل لبنان مفاوضات واشنطن مدركاً صعوبة المهمة. الخيارات تتراوح بين «اختراق دبلوماسي» يؤدي إلى وقف فوري للنار ويفتح الباب أمام تسوية شاملة، وبين «مراوحة قاتلة» قد تدفع المنطقة نحو تصعيد أوسع. ونجاح سيمون كرم وفريقه مرهون بقدرة الوسيط الأميركي في لجم التصعيد الإسرائيلي الميداني، وبقدرة بيروت على إقناع العالم بأن «الدولة القوية» هي الضمانة الوحيدة للسلام المستدام.
في ختام جلسات الجمعة، سيتضح ما إذا كانت واشنطن قد أفلحت في إرساء دعائم سلام يصون سيادة لبنان وأمنه، أم أن الطاولة ستنقلب ليعود الميدان سيد الموقف. والأيام القادمة لن تحدد فقط مصير هذه الجولة، بل ملامح «الجمهورية اللبنانية» في العقد المقبل؛ جمهورية المؤسسات والشرعية، أم جمهورية التسويات الموقوتة.