بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيلول 2025 12:20ص تعاون برّي وسلام الحكمة والجرأة..

حجم الخط
سجل رئيس الحكومة نواف سلام أمس خطوة جديدة في مسار تكريس دولة القانون في لبنان، عبر الصيغة القانونية التي اعتمدت للترخيص لحزب الله بإحياء ذكرى استشهاد السيد حسن نصرالله في منطقة الروشة. هذه الخطوة، وإن بدت تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها رسالة سياسية وقانونية بالغة الأهمية، لأنها تؤكد أن الدولة قادرة على الجمع بين صون الحريات العامة وضبط النظام العام وفق الأصول المرعية.
فلبنان، بحكم تنوعه السياسي وتعدده الحزبي، لا يمكن أن يستقيم الإستقرار فيه إلا تحت سقف القانون. وقد جاء قرار الحكومة ليؤكد أن حرية التعبير والتجمع مكفولة، شرط أن تتم في إطار يحترم القوانين ويحافظ على الأملاك العامة ويضمن حقوق جميع المواطنين. وهنا تبرز جرأة وحكمة الرئيس نواف سلام الذي لم يتردد في الموافقة على إعطاء الترخيص، لكنه في الوقت نفسه شدد على مسؤولية الجهات المنظمة في احترام الضوابط، بما يحول دون أي إخلال بالأمن أو تعدٍّ على الملكية العامة والخاصة.
الخطوة لم تكن لتكتمل لولا التفاهم الواضح مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ساهم بحكمته في تسهيل هذا المسار وتذليل العقبات. فالتنسيق بين الرئاستين شكّل ضمانة إضافية لنجاح القرار، ورسالة وحدة وطنية في لحظة سياسية دقيقة وبالغة الحساسية. بهذا المعنى، يظهر أن الدولة قادرة على إدارة التوازنات بحزم ومرونة معاً، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم الوطنية.
الأهمية لا تكمن فقط في مناسبة بعينها، بل في ترسيخ قاعدة جديدة: أن حرية التعبير ليست رهناً بمزاج سياسي أو ظرف أمني، بل هي حق يمارس ضمن قواعد الدولة وهيبتها. فالتراخيص القانونية ليست شكلاً فارغاً، بل آلية تتيح للجميع أن يعبِّروا عن آرائهم ومواقفهم بحرية، من دون أن يتحول ذلك إلى فوضى أو صدام. إنها رسالة بأن زمن «الأمر الواقع» يمكن أن يُستبدل بمنطق «الدولة الراعية»، القادرة على التوفيق بين الحقوق والواجبات.
إن إرتياح الأوساط السياسية والشعبية لهذه الخطوة يعكس حاجة اللبنانيين إلى رؤية مؤسساتهم تعمل بجدية، وتضع مصلحة الاستقرار فوق الاعتبارات الآنية والفئوية. وإذا استمرت الحكومة على هذا النهج، فإن لبنان يمكن أن يستعيد شيئاً من صورته كدولة قانون تحترم مواطنيها وتحظى باحترام العالم.
بهذا القرار، برهن الرئيس نواف سلام أن الجرأة لا تعني المواجهة الصدامية، والحكمة لا تعني التنازل عن صلاحيات الدولة، بل إن الجمع بينهما هو ما يعزز هيبة الدولة ويعيد الاعتبار إلى دورها كمرجع وملاذ وحيد لكل اللبنانيين.