نعم أيها السادة الكرام...
أنا - وكأي مواطن لبناني - أخاف أن أمرض..
ليس اعتراضا على قضاء لله وقدره، حاشا للّه، ولكن خوفا من الوقوع في مستنقعات الذلّ والإهانة التي يعاني منها أي مواطن لبناني إذا ما تعرّض لمرض يضطره إلى دخول المستشفى.
ففي بلادنا، المواطن العادي - وتعريفه المواطن الذي لا يحمل سلاح الواسطة والمحسوبية - ليس له أن يتلقّى العلاج المطلوب إذا مرض، إلّا بعد أن يصارع (سدودا شيطانية) من الفساد والإهانة، وإن لم يستطع التغلب عليها، فمصيره البقاء على أبواب المستشفيات يستجدي عطف (أصحاب الكلمة المسموعة) ليتكرّموا عليه بموافقة تتيح له تلقّي العلاج..؟!
فالإنسان الذي أخبر لله عنه في كتابه العزيز فقال في آية واضحة وصريحة {ولقد كرّمنا بني آدم} أصبح في بلادنا محروما من الكرامة... ومن الإنسانية.. ومن حق تلقّي العلاج المطلوب، فقط لأنه مواطن لبناني ليس لديه (فضيلة..؟!) الواسطة.
وحين نقول الواسطة... فنحن نتحدث عن استزلام لزعيم أو تبعية عمياء لجهة، وبالتالي عليه أن يرفع لوائها وإن عارضها، وأن يتكلم بلسانها وإن كرهها، وأن يسير في طريقها ووفق تعليماتها وإن رفضها، وأن يدافع عنها وإن كانت فاسدة، وإلّا فهو منبوذ ومطرود ومكروه.. لا مكان له في غرف المستشفيات ولا في اسم له في ملفاتها..؟!
نعم.. إن لم تكن تابعا إياك أيها المواطن اللبناني أن تمرض، لأن مصيرك الذلّ والمعاناة والمزيد من الأمراض..!؟
وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه ليس لعملك ولا لجهدك ولا لتضحياتك ولا لقيمتك ولا لمكانتك أي قيمة، فإن كنت موظفا أفنيت عمرك في الوظيفة وتحمل (ضمانا اجتماعيا)، فغالبية المستشفيات لا تستقبلك، لأن المطلوب أن تحمل (ضمانا سياسيا)، وبالتالي لا علاج لك إن من خلال (ضمان الزعيم)..؟!
(والمضحك - المبكي) أن هذا الزعيم (أيا كانت درجة زعامته أو نوعها) إذا ما شعر بصداع خفيف حُمل على (أكفّ الطيران) - وطبعا على مقاعد الدرجة الأولى - إلى أرقى مستشفيات العالم ليتلقّى العلاج ثم يعود سالمنا غانما منعما، وأما المطلوب منك (أيها المواطن المسكين) وأنت مذلول على أبواب المستشفيات في لبنان، أن ترفع يدك بالدعاء له بطول العمر وسرعة الشفاء..؟!والكارثة الكبرى أن حق الاستشفاء الذي هو حق أصيل لكل مواطن في بلده، أصبح (ورقة) في يد الزعيم (وللمرة الثانية أقول أيا كانت درجة زعامته أو نوعها) يعطيه لمن يشاء من الأتباع تكرّما منه ومنحة، وإلّا فالموت مصير من لم يكن تابعا..!؟
وهنا أقول أيضا أيها المواطن اللبناني..
إن كنت تعتقد أن الموت راحة للمريض في بلادنا، فأنت أيضا مخطئ.!؟
لأن حتى من مات في بلادنا، فعلى أهله أن يعانوا من الذلّ والإهانة وأن يسعوا لتأمين آلاف الدولارات حتى يحظوا بقبر لميتهم، وإلّا فعليهم القيام بجولة على (قصور الزعماء أو على مباني الجمعيات الخيرية) ليتحصلوا على مكرمة ربما تتيح لهم دفن ميتهم..؟!
وهنا يطرح السؤال الأهم...
هل المسؤولية تقع على هذا المواطن الذي ارتضى الذلّ والإهانة والفساد فأصبح حتى عند مرضه يهتف بحياة الزعيم ليتلقّى العلاج..!؟
أم المسؤولية على الدولة التي ما زالت حتى اليوم تترك هذه الخدمات لتكون ورقة في يد الزعماء..؟!
ومهما كانت الإجابة فالنتيجة واحدة...
المواطن اللبناني ممنوع من المرض، إلّا بعد أن يعلن انتمائه إلى زعيم أو رئيس أو مسؤول يضمن له تلقي العلاج في المستشفيات..؟!
أيها السادة..
أنا المواطن اللبناني أخاف أن أمرض لأن المرض في بلادنا طريق ذلّ مميت يمشي فيه المريض وأهله وفي كثير من الأحيان لا يصلون، لأنه وللأسف لا كرامة لنا في بلد «الحياة فيه للزعماء فقط»..؟!
bahaasalam@yahoo.com