لو بعث رسول الله.. أيّ أمّة سيرى؟!
حجم الخط
«الْحَمْدُ للهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ دُونَ الأمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ، بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَإنْ عَظُمَ، وَلا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ».
«اللّهمّ فصلّ على محمّد، أمينك على وحيك، وصفيِّك من عبادك، إمام الرّحمة، وقائد الخير، ومفتاح البركة، كما نصب لأمرك نفسه، وعرّض للمكروه بدنه، وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدّعاء إلى ملّتك، وهاجر إلى بلاد الغربة إرادةً منه لإعزاز دينك، حتّى استتبّ له ما حاول في أعدائك، واستتمّ له ما دبّر في أوليائك، حتّى ظهر أمرك، وعلت كلمتك ولو كره المشركون».
نعيش في هذه الأيّام، ذكرى الولادة المباركة لخير البريّة وسيّد الخلق، محمد بن عبدالله، الّتي حصلت في شهر ربيع الأوّل، بين من يقول في الثّاني عشر منه، ومن يقول في السّابع عشر...
ونحن لن نتوقّف عند هذا الاختلاف، ولن نرجّح رأياً على رأي، بقدر ما يهمّنا أن ندعو إلى أن تكون هذه المناسبة، من جهة، مناسبة فرح عامر يشعّ بالضّياء، ومن جهة أخرى، مناسبةً للاستفادة من معاني هذه الولادة والأخذ من دروسها.
فدروس محمد بن عبدالله، هي دروس الإنسانيّة الحقّة، الإنسانيَّة المنيرة الّتي تضيء لنفسها وللآخرين. وبالنّسبة إلينا، فإنّ الإنسانيّة هي تعبير أو مصداق لاستخلاف الإنسان على الأرض، فكلّما تخلّق الإنسان بأخلاق الله، ارتقى درجات في مراتب الإنسانيَّة، والنبيّ الأكرم( صلى الله عليه وسلم )، ومنذ نشأته، تخلّق بهذه الأخلاق. ومن دون أن يكون هناك أمر أو تكليف، اهتدى إليها بعون من الله، بصفاء فطرته ووعيه وفكره وتفكّره.. وقد حرّك محمّد، فتى مكّة، كلّ الطّاقات الّتي زوّده الله بها، حرّكها بالاتجاه الصّحيح، فكانت النتيجة أن ارتقى وسما وعلا وصفا، حتّى قرّبه الله منه واصطفاه، فكان المصطفى.
إنّ المطّلع على ظروف نشأة محمد( صلى الله عليه وسلم ) والمجتمع الّذي عاش فيه قبل أن يبعث نبيّاً، يدرك مدى المعاناة الّتي بذلها حتّى ينتهج ما انتهجه، فقد انفلت رسول الله من قيود الجاهليّة، ومن عقال السّائد والدّارج والموروث، انفلت بكلّ سلاسة، وغادر كلّ ذلك بقلبه وعقله وروحه، قبل أن يغادره قولاً وعملاً، فيقلبه رأساً على عقب، بعد أن سدّده الله وبعثه بالرّسالة.
وقد تمكَّن محمّد( صلى الله عليه وسلم ) من ذلك، لأنَّه حرَّك كلّ الطّاقات الكامنة فيه، فقد حرَّر عقله أوّلاً، فكان الإنسان المتفكّر الّذي يبدأ من الدّاخل، داخل النّفس.. كان يذهب، كما تذكر سيرته، إلى غار حراء، ليخلو بنفسه هناك، بعيداً عن كلّ الضّجيج الّذي يحيط به، يسأل ويتأمّل ويتفكّر.
وقد تحرّر أيضاً، ومنذ نعومة أظفاره، روحيّاً، برفضه عبادة الأصنام، فتعلّقت روحه بقوّة الخالق الّذي أحسّ به واهتدى إليه.
الإرتقاء
عاش الارتقاء الفكريّ والرّوحيّ إلى آخر مداه، ولكنَّه في المقابل، لم ينعزل أو يَنْفُر ممن حوله، بل كان قمّةً في التميّز الأخلاقيّ، فكما كان الموحّد حين أشرك النّاس، والمتفكّر إذ تبلّدوا، كان الصّادق حيث كذبوا، والأمين حيث خانوا، والنّاصر للمظلوم حيث ظلموا، والمقرّب بين القلوب كلّما اختلفوا...
لقد رفض محمّد( صلى الله عليه وسلم )، منذ نشأته، كلّ السَّائد من الأفكار الخاطئة، وتمرَّد عليه وأنكره ومقته، ولكنّ هذا لم ينعكس على سلوكه تجاههم. ورسول الله، أيّها الأحبَّة، ترك ما عليه الآباء والأجداد، واختار الانسلاخ عن أفكارهم وعاداتهم، ولكنَّه لم ينسلخ عنهم أو ينكرهم، فلقد فصل بين الفعل وبين من يأتي به، فتمكّن من أن يكره الشّرك، ولكنّه لم يكره المشركين، ودعا لهم بالهداية: «اللّهمَّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون»، وأطلقها عبارةً عندما صارت له الغلبة مع قريش: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء». وهنا تكمن قمَّة الإنسانيَّة؛ أن ترفض السّائد المنحرف، وتخالف البيئة الفاسدة الّتي ولدت فيها، ولكنَّك تظلّ تحبّ أهلك وقومك، وتظلّ تبرّ بهم وتنصفهم وتصاحبهم في الدّنيا معروفاً، ولا تحقد عليهم. هذه هي الأخلاق النبويَّة.
لقد أيقن محمّد بن عبدالله، أنَّ العلاقات الإنسانيَّة هي جوهر الحياة، والّتي لا يصبح الإنسان مسلماً فيها إلا إذا ارتقى بها، مع الأقربين ومع الأبعدين، مع من يتَّفق معهم أو مع من يخالفونه، وهو الّذي قال عنه الله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم...}.
فلتكن ذكرى ولادة رسول الله، محطّةً لنا لنسأل ونتأمّل في كيفيّة تشكيل قناعاتنا في هذه الحياة؛ أيّ جزء منها هو نتيجة السَّائد والموجود، وأيّها هو نتيجة جهد شخصيّ.
هي فرصة لكلّ واحد منّا، ليتأكّد من أنّ خياراته وطقوسه وأعماله وخطواته، هي نتيجة فهمه وإيمانه هو، وليست انعكاساً لآراء الآخرين وخياراتهم. إنّ سيرة رسول الله كلّها، قبل البعثة وبعدها، تعلّمنا أن لا نكون مجرّد صدى للواقع من حولنا، وحتّى لو كان هذا الواقع إيجابيّاً ويدعونا إلى الخير، لأنّ المشكلة هي في كيفيّة تشكيل القناعات، فلو اعتدت الاتّباع، ماذا يضمن لك أن لا تتحوَّل الإيجابيّات من حولك إلى سلبيَّات، بعد أن تكون قد اعتدت ألا تخالف النّاس ولا تخالف المشهور ولا الموروث؟!
هذا الأمر أشار إليه النبيّ( صلى الله عليه وسلم ) فيما نقل عنه الإمام الكاظم(ع): «أبلغ خيراً وقل خيراً ولا تكن إمَّعة، فإنّ رسول الله نهى أن يكون الإنسان إمَّعة»، وعندما قيل له: وما الإمّعة؟ قال: «لا تقولنّ: أنا مع النّاس، وأنا كواحد من النّاس».
بناء الشخصية
نريد ونحن في ذكرى ولادة رسول الهدى، وتحديداً من شبابنا وشابّاتنا، أن يشكّلوا قناعاتهم الحقيقيّة بكلّ ما يقومون به، نريد منهم فهماً عميقاً للأشياء وليس تعصّباً لها، وهذا هو البناء المتين للشخصيّة الّتي لا تهزّها الأزمات.
إنَّ القيام بالعمل من منطلق المجاراة والمسايرة فقط، هو سلوك هشّ وليس صحيّاً، أنت اليوم تعيش في بيئة مؤمنة، تمارس عادات إيمانيَّة، فتمشي معهم، أنت تحبّ فكرة أن تكون من روَّاد المسجد، وتعجبك فكرة أنّك من المواظبين على صلاة الفجر أو اللّيل، يعجبك أن تُصنّف هكذا، هذا جيّد، ولكن عوّد نفسك أن تحبّ صلاة الفجر لذاتها، وتحبّ صلاة اللّيل لذاتها، وتحبّ العمرة والحجّ والزّيارة لذاتها ولمعانيها، ليس فقط لأنّك تودّ أن تفعل ما يفعله الآخرون لتصبح جزءاً منهم، بل عليك أن تتعمّق لتفهم معاني كلّ ما تقوم به.
إنّ علينا أن ننتبه دوماً إلى أن يكون إيماننا في الله، في رسوله، في آل بيته، في الجهاد وفي البرّ والرَّحمة والمحبَّة، في الصّدق والأمانة وغيرها من الصّفات الحميدة...
تأتي ذكرى ولادة رسول الله هذا العام، والجنون يتسلّل إلى أمّته؛ جنون يجعلنا نتساءل: ماذا لو بُعث اليوم، فهل سيتعرّف إلى أمّته؟ لن يتعرّف إليها، بسبب تفرّقها وعداء بعضها لبعض. النبيّ يعرف جيّداً أيّ أمّة أنشأ وأراد، فهو لن يبحث عن الهويَّات، بل سيبحث عن الأخلاق أوّلاً، هو لا يأبه للانتماء الشّكليّ، فما يعنيه هو شيء آخر.. الغاية الّتي بُعث من أجلها هي إتمام مكارم الأخلاق، بها يعرف أمّته لا بغيرها، يعرفها بالرَّحمة والتَّراحم، باللّين والتّسامح، برقّة القلب والعفو، والقوَّة الممتزجة بالأخلاق. وليس كلّ من سيقبل عليه سيقبله، بل سيرفض انتماءه الأجوف والأعمى، انتماءه النّاجم عن التعصّب له من دون معرفة أو تدقيق، رسول الله سيتبرّأ ممن يجرمون باسمه، ولن يقبل حجّتهم وتبريرهم: هكذا علّمونا، أو كنت أقوم بما تقوم به جماعتي وأهلي وناسي ومجتمعي... لن يقبل رسول الله، وسيقول له: ألم تتفكّر؟ ألم تتعقّل؟ ألم تنتبه؟ ألم تلتفت؟ الوجع كبير كبير، وما يحصل يشكّل خللاً في مكان ما، ويحتاج إلى ترميم وعلاج، أو حتّى إلى ثورة على مستوى الفكر والأخلاق والسّلوك.
في هذه الذّكرى العطرة، نتوجّه إلى رسول الله بقلوبنا وأرواحنا، نصلّي عليه مع الله وملائكته، ونقول له: السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا حبيب الله، أشهد أنّك كنت رحوماً ودعوت إلى الرّحمة، وكنت محبّاً ونشرت المحبّة، كنت حريصاً على المسلمين، فجعلتهم أخوة متحابّين، وحريصاً على خلق الله أجمعين، كنت الهدى في ليل الضّلال، فأضأت كلّ الكائنات، فجزاك الله عنّا وعن أمّتك خيراً كثيراً.
وسنبقى نردّد: إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ، يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما.






