نوال أبو حيدر
يشهد ملف القروض السكنية المدعومة في لبنان تصعيدا لافتا في النقاش بين الجهات المعنية، مع بروز مسار رسمي يدفع نحو إعادة تنظيم هذا القطاع وحصر إدارته ضمن إطار مؤسساتي واحد. فقد انطلق هذا التوجّه أساسا من كتاب رفعته المؤسسة العامة للإسكان إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، تقترح فيه حصر القروض السكنية المدعومة بها، بصفتها الجهة العامة المختصة، ومنحها صلاحية الإشراف والرقابة على كامل هذا الملف.
وبناء على هذا الطرح، تبنّت الوزارة الاقتراح ورفعته إلى مجلس الوزراء اللبناني عبر الأمانة العامة، مع توصية تقضي أيضا بتكليف مجلس الإنماء والإعمار تأمين مصادر التمويل من الدول المانحة والصناديق العربية والدولية، على أن تدار هذه التمويلات حصرا من خلال المؤسسة العامة للإسكان. ويستند هذا التوجه إلى مبررات تتعلق بتوحيد المرجعية، وتعزيز الشفافية، وضمان حسن إدارة الموارد في ظل غياب برامج الدعم.
في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الاقتراح يهدف إلى التضييق على مصرف الإسكان والحد من نشاطه، لا سيما في ظل الإنجازات التي حققها ويحققها لغاية تأمين مسكن لائق لذوي الدخل المحدود والمتوسط لتحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي. فإن من شأن هذا الاقتراح، في حال اعتماده أن يؤدي عمليا إلى توقيف مصرف الإسكان عن تأمين القروض السكنية عبر الصناديق العربية والجهات المانحة الأخرى، مما قد يؤدي حتما إلى توقف المصرف عن متابعة نشاطه والغاية من إنشائه.
وفي هذا السياق، يتراوح مصير الإسكان المدعوم في لبنان اليوم بين المؤسسة العامة للإسكان وبنك الإسكان، في ظل غياب رؤية موحّدة، ما يطرح تساؤلات جدّية حول مستقبل هذا القطاع وقدرته على تلبية حاجات ذوي الدخل المحدود والمتوسط في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وزيرة الشؤون الاجتماعية: تنظيم الأدوار لا إقصاء المصارف!
من هذا المنطلق، تقول وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، لصحيفة «اللواء» إن «وزارة الشؤون الاجتماعية تبنّت اقتراح المؤسسة العامة للإسكان لعدة أسباب رئيسية، أولها أن القروض السكنية المدعومة هي أموال عامة تتحمّل الدولة كلفتها (اقتراضا وضمانا)، وبالتالي من المنطقي أن تُدار عبر جهة رسمية (المؤسسة العامة للإسكان و/أو جهاز إسكان العسكريين) خاضعة للمساءلة المباشرة، لا عبر القطاع الخاص الذي يعمل وفق اعتبارات ربحية».
وتتابع: «ثانيا، هذا التوجه ينسجم مع مبادئ الحوكمة الرشيدة، حيث تبقى إدارة الدعم العام ضمن إطار مؤسسات الدولة. وثالثا، المصارف التجارية قادرة أصلا على تقديم قروض من مواردها الخاصة، وبالتالي لا حاجة لأن تكون هي القناة الأساسية لإدارة الدعم الحكومي».
أما بالنسبة للمخاوف المتعلقة بدور مصرف الإسكان، فتوضح السيّد أن «الموقف الرسمي واضح، لا يوجد توجه لإلغائه أو تهميشه، بل إعادة تنظيم الأدوار. فمصرف الإسكان سيستمر في العمل، ولكن ضمن تنسيق وتكامل مع المؤسسة العامة للإسكان، وليس كمشغّل منفرد للقروض المدعومة. كما وأن القرار يخص فقط القروض المدعومة من الدولة، وليس القروض السكنية العادية التي يمكن للمصرف وغيره الاستمرار في تقديمها. أضف إلى أن إبقاء الإدارة الأساسية بيد جهة رسمية لا يمنع الشراكة مع المصارف، بل يعيد تحديدها ضمن إطار أوضح».
وتختم السيّد: «بمعنى آخر، التوجه ليس إقصائيا بقدر ما هو تنظيمي، الدولة تريد أن تمسك بزمام القروض التي تموّلها، مع ترك المجال للقطاع المصرفي للقيام بدوره الطبيعي في السوق».
زياد نصر: تكامل الأدوار لضمان عدالة القروض
في هذا السياق، يؤكد مفوض الحكومة لدى مجلس الإنماء والإعمار، زياد نصر، أن «المؤسسة العامة للإسكان، باعتبارها مؤسسة عامة وطنية أُنشئت لغاية إجراء الدراسات والمسوحات والإحصاءات الإسكانية وبناء المساكن وتقديم القروض للمستفيدين، فإنه من الأولى تأمين الموارد وتوفير الإمكانات اللازمة لها، خاصة عندما تتوفر فرص للتمويل بموجب هبات أو قروض».
ويتابع: «يمكن لمصرف الإسكان القيام بدوره بالتكامل والتنسيق مع المؤسسة العامة للإسكان، باعتبارها المؤسسة العامة الوطنية المناط بها تنفيذ المشاريع وتقديم القروض الاسكانية، وذلك من خلال تسخير خبرته المصرفية وإمكاناته التمويلية لدعم دور المؤسسة وضمان حسن تنفيذ خطة اسكانية تحدد مجال وشروط التدخل من قبل كل جهة بما يضمن وصول القروض إلى مستحقيها بكفاءة وشفافية».
لحود: القروض المدعومة تحت رقابة الدولة.. ولا إقصاء لمصرف الإسكان
من جهته، يوضح المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، روني لحود، أن «الحديث اليوم يدور حول قروض مدعومة، وفي هذه الحالة يقع على عاتق الدولة دور إدارتها، لا الشركات الخاصة. فلا يمكن للدولة أن تؤمّن القرض ثم تترك إدارته للقطاع الخاص من دون أي رقابة».
وفي سياق متصل، يعتبر أنه «تبرز إيجابيات حصر القروض السكنية المدعومة بيد الدولة بشكل واضح، إذ يتيح ذلك إدارة هذه القروض ضمن إطار رقابي صارم يضمن الشفافية وحسن التنفيذ. ففي حال حصلت الدولة على قرض، يمكنها أن تتولى إدارته مباشرة أو أن تستعين بالمصارف عند الحاجة، على أن تبقى الرقابة الأساسية بيدها».
ويتابع: «فعلى سبيل المثال، تخضع المؤسسة العامة للإسكان لرقابة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، إضافة إلى مختلف الهيئات الرقابية التابعة لوزارة المالية وغيرها من الجهات المعنية، ما يعزز مستويات المساءلة. وفي هذا السياق، لا يمكن للدولة أن تستجلب قرضا، وهي الجهة التي ستتولى سداده، ثم تعهد بإدارته إلى شركات خاصة من دون إطار رقابي مباشر يضمن حماية المال العام».
أما بالنسبة لدور مصرف الإسكان، فيؤكد لحود أنه «سيواصل القيام بدوره بالتكامل والتنسيق مع المؤسسة العامة للإسكان، ولا نية لإقفال أي مصرف أو إقصائه، ولا اي هدف لتهميش مصرف الإسكان أو إبعاده، بل العمل على تأمين قرض يُدار من قبل المؤسسة، أو في حال لم يكن كذلك، أن يخضع على الأقل لرقابة مشدّدة تضمن حسن إدارته».
مصادر بنك الإسكان: الطرح ما زال افتراضياً
من جهةٍ أخرى، تفيد مصادر في بنك الإسكان أنها تودّ لفت الانتباه إلى أنه «لا يمكنها في الوقت الراهن الإجابة عن مسألة حصر القروض السكنية المدعومة بجهة رسمية واحدة، نظرا لأن هذا الطرح لا يزال افتراضيا ولم يتلقَّ أي تبليغ رسمي من الجهات المعنية»، مؤكدةً أنه «في حال صدور قانون بهذا الخصوص، سيتم درسه، وعندها يمكن تقديم موقف واضح ودقيق بشأنه».