كان يأمل المواطنون، ان يستطيع اللواء ادغار لاوندوس، بتعيينه رئيساً لجهاز امن الدولة في مطلع عهد الرئيس جوزاف عون، وحكومة الرئيس نواف سلام، ان ينقل الجهاز من مرحلة اللواء طوني صليبا، الحافلة بشتى أنواع التجاوزات الفضائحية، وفبركة الاتهامات، مثال ما حصل مع الممثل زياد عيتاني والتبعية السياسيةالمفرطة والمنافع الشخصية، الى مرحلة واعدة، تؤدي لانتظام عمل الجهاز واعادة الثقة المفقودة به من جديد، ليتمكن من احتلال موقعه الطبيعي، والقيام بالمهمات المنوطة به، كما سائر المؤسسات الأمنية الاخرى، في هذه المرحلة الحساسة والبالغة الصعوبة، التي يمرُّ بها لبنان.
لا يمكن إنكار انه خلال الاشهر الماضية، سجلت سلسلة انجازات للجهاز في كشف العديد من ملفات سرقة المال العام، والتهرب الضريبي والجمركي في المرافق العامة، ومكافحة الغش والتهريب، وملاحقة المرتكبين، الا ان ماقام به الجهاز في مداهمة «ساقية الجنزير» بمنطقة رأس بيروت، لتوقيف احد اصحاب المولدات الكهربائية المخالفة، استنادا لماورد في البيان الصادر عن المديرية العامة لأمن الدولة، لتبرير ما حصل لم يكن مقبولا، لا شكلاً ولا مضموناً، لانه تجاوز حدود الصلاحيات القانونية للجهاز من جهة والإجراءات القضائية المتبعة في ملاحقة مثل هذه المخالفات عادة، وكاد يتسبب بتداعيات واشكالات امنية، ذات ابعاد سياسية ومذهبية، لولا تدارك المسؤولين خطورة ما حصل ومسارعتهم لتطويقه ومنع تفاعله نحو الأسوأ، لاسيما وأن موقع المداهمة، كان مسرحاً لتظاهرات واحتكاكات مذهبية في الآونة الاخيرة، على خلفية التهجم على مواقف رئيس الحكومة وقرارات مجلس الوزراء بالتفاوض المباشر مع إسرائيل وحصر السلاح في بيروت بيد الدولة وحدها.
لا شك ان إحالة ما حصل على القضاء العسكري، للتحقيق في ما حصل، واستدعاء الضابط والعناصر الامنية للتحقيق معهم، كما صاحب المولد المخالف والمدنيين المعنيين بالاشكال، قد ساهم جزئياً في تنفيس الاحتقان الشعبي، الذي سببته المداهمة الامنية الفوضوية، والكل بانتظار ما ستؤدي اليه من أحكام بحق المخالفين والمرتكبين، أياً كانوا. الا ان الانظار تتركز حالياً على الإجراءات والتدابير التي قد يتخذها، رئيس الجهاز، بحق المخالفين من عناصر وضباط، لمعاقبتهم والاقتصاص منهم في حال ثبتت بحقهم مخالفة القوانين والصلاحيات المعطاة لهم.
لذلك، فإن انتظار معاقبة المخالفين في قضية المداهمة المذكورة، قضائياً وادارياً، في حال تجاوزهم لحدود الصلاحية وادانتهم، تعتبر خطوة مهمة وضرورية، لتجاوز تداعيات هذه المداهمة الامنية، التي اطلق عليها البعض تسمية المداهمة المليشيوية، لتجاوز اثارها وما تركته من تداعيات سلبية بالنفوس، واعادة تصويب عمل ومسيرة جهاز امن الدولة ككل، بما يتلاءم مع تطلعات المواطنين وامانيهم في حفظ الامن وملاحقة الخارجين على القوانين.
اما اذا سلكت الملاحقات، طريق التسويات المعهودة سابقا، لاسباب سياسية او طائفية او غيرها، وتم التغاضي عما حصل، وكأنه حادث عارض، هذا يعني التسليم ببقاء الجهاز خاضعاً لتصرفات واهواء فردية، مرتبطة بمصالح سياسية او حزبية، ما يزيد حتماً من تقلص فاعليته بالمهمات الموكولة اليه، وتراجع ثقة المواطنين به، وعودته إلى ما كان سابقاً.