في ظل التحديات الاقتصادية والمالية غير المسبوقة التي يواجهها لبنان، والحاجة الملحّة إلى استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة، يبرز مشروع «الإقامة الذهبية مقابل الاستثمار» كأحد الحلول الاستراتيجية القادرة على المساهمة في تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الإيرادات العامة، وإعادة ترسيخ موقع لبنان كوجهة استثمارية في المنطقة.
لقد أثبتت برامج الإقامة مقابل الاستثمار نجاحها في العديد من الدول، حيث أصبحت وسيلة فعّالة لاستقطاب المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب الكفاءات والثروات، من خلال منحهم إقامة طويلة الأمد لقاء استثمارات حقيقية تساهم في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، ضمن أطر قانونية وتنظيمية واضحة تضمن الشفافية وتحافظ على الأمن الوطني.
ويمتلك لبنان عناصر قوة عديدة تؤهله للاستفادة من هذا النموذج، وفي مقدمتها موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وطاقاته البشرية المؤهلة، ونظامه الاقتصادي المنفتح، إضافة إلى الانتشار الواسع للجاليات اللبنانية حول العالم التي تشكل جسرا طبيعيا لاستقطاب الاستثمارات. ومن شأن إطلاق برنامج للإقامة الذهبية أن يشجع المستثمرين اللبنانيين في الاغتراب، إلى جانب المستثمرين العرب والأجانب، على توجيه استثماراتهم نحو قطاعات إنتاجية وحيوية، كالصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة، والزراعة، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والرعاية الصحية، والتعليم.
ولا تقتصر الفوائد المتوقعة لهذا البرنامج على جذب الاستثمارات، بل تمتد إلى تنشيط الدورة الاقتصادية، وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال الرسوم والضرائب المرتبطة بالاستثمارات، وتأسيس الشركات، وتسجيل العقارات، فضلا عن خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتحسين ميزان المدفوعات عبر استقطاب العملات الأجنبية.
كما يمثل اعتماد هذا البرنامج رسالة ثقة إلى المجتمعين العربي والدولي بأن لبنان يسير نحو اعتماد سياسات اقتصادية حديثة تقوم على تشجيع الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية في مجال التنمية الاقتصادية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال) بوصفها الجهة الوطنية الأكثر تأهيلاً لتولي إدارة هذا البرنامج، استنادا إلى صلاحياتها وخبرتها الطويلة في جذب الاستثمارات وتسهيلها. ويمكن أن تضطلع إيدال بمهمة استقبال طلبات المستثمرين، وتقييم المشاريع الاستثمارية وفق معايير اقتصادية وتنموية واضحة، والتنسيق مع الوزارات والإدارات المعنية لاستكمال الإجراءات، بما يؤمن للمستثمر نافذة موحدة تختصر الوقت وتعزز الثقة.
كما تستطيع إيدال قيادة حملة ترويج دولية للبرنامج، بالتعاون مع البعثات الدبلوماسية والهيئات الاقتصادية وغرف التجارة والجاليات اللبنانية في الخارج، بهدف استقطاب الاستثمارات النوعية ذات القيمة المضافة، ومتابعة تنفيذ المشاريع بما يضمن تحقيق أهدافها الاقتصادية والإنمائية.
إن نجاح برنامج الإقامة الذهبية يتطلب إطارا تشريعيا متكاملا يحدد شروط التأهل، وقيمة الاستثمارات المطلوبة، وآليات التحقق من مصادر الأموال، ومعايير الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يضمن حماية المصلحة الوطنية والحفاظ على سمعة لبنان المالية والدولية.
إن الإقامة الذهبية ليست مجرد امتياز يمنح للمستثمر، بل هي سياسة اقتصادية متقدمة وأداة تنموية أثبتت فعاليتها عالميا في جذب الاستثمارات النوعية وتعزيز النمو المستدام. وإذا ما أُحسن تصميم هذا البرنامج وتنفيذه وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية، وبقيادة فاعلة من إيدال وبالتعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص، فإنه يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للاقتصاد اللبناني، ويسهم في إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كمركز إقليمي للاستثمار والأعمال والابتكار.
*رئيس مجلس الادارة - المدير العام
مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان(إيدال)