بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 تموز 2026 12:10ص لبنان أمام اختبار السيادة على خلفية «اتفاق «الإطار»

حجم الخط
د. محمد دوغان

بين وقف إطلاق النار وإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية، لا تبدو الإشكالية الحقيقية في الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي (بوساطة أميركية) مرتبطة فقط بما ورد في بنوده المباشرة، بل بما يحمله من تحولات في مفهوم السيادة اللبنانية وآليات إدارة القرار الوطني. فالاتفاقات لا تُقاس فقط بما تنهيه من مواجهات عسكرية، بل أيضاً بما تؤسسه من وقائع سياسية وقانونية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.
عند مقارنة هذا الاتفاق بمنطق القرار 1701، يظهر تحوّل واضح في ترتيب الأولويات. فالقرار السابق كان يقوم على مبدأ انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني، ثم البحث في الملفات الخلافية ومن ضمنها مسألة السلاح. أما في المقاربة الجديدة، فإن نزع السلاح يصبح نقطة البداية، يليه التحقق من التنفيذ، ثم تأتي مسألة إعادة الانتشار الإسرائيلي. هذا الترتيب لا يبدل التسلسل الإجرائي فحسب، بل ينقل مركز الثقل من القرار اللبناني إلى آليات تقييم خارجية تحدد مدى الالتزام وحجم التنفيذ.
وفي هذا السياق، يبرز بند التنسيق بين الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي باعتباره نقطة تستحق التوقف عندها مليّاً. فالحديث عن آليات تنسيق قد يُفسَّر من جهة كجزء من ترتيبات ميدانية تهدف إلى منع التصعيد، لكنه من جهة أخرى يثير مخاوف من فتح الباب تدريجياً أمام أشكال من التطبيع الأمني الذي لم يكن مطروحاً في السابق ضمن الإطار اللبناني الرسمي.
وتزداد هذه المخاوف عند قراءة الاتفاق في ضوء مواقف دولية وإقليمية سابقة تحدثت عن ضرورة معالجة ملف سلاح الحزب. فحين يُشار إلى دور للشركاء الدوليين، ولا سيما الدول العربية، في المساهمة في تنفيذ هذه المسارات، يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت القضية لا تزال شأناً لبنانياً داخلياً أم أنها انتقلت إلى إطار إقليمي ودولي أوسع.
أما سياسياً، فإن توصيف لبنان وإسرائيل بوصفهما دولتين ذواتي سيادة يفتح باباً واسعاً للنقاش حول التداعيات المستقبلية لهذا التوصيف، ومدى تأثيره على طبيعة الصراع القائم وعلى المفاهيم السياسية المرتبطة بالحدود والعداء والحقوق الوطنية.
وعلى المستوى الميداني، لا يبدو أن الاتفاق وفق هذه القراءة، قد أوجد قيوداً حاسمة على حركة إسرائيل في الجنوب، إذ إن مساحة التقدير تبقى واسعة في تحديد ما يمكن اعتباره إجراءً دفاعياً أو ردّاً على تهديدات محتملة، الأمر الذي قد يسمح باستمرار هامش واسع من التحرك العسكري.
ومن هنا تبرز إشكالية أخرى تتعلق بموقع الجيش اللبناني نفسه، فالجيش بوصفه مؤسسة وطنية يفترض أن يتحرك وفق القرار اللبناني المستقل، إلّا أن ربط تقييم أدائه بمعايير أو تقديرات خارجية قد يخلق انطباعاً بأن دوره لم يعد منفصلاً بالكامل عن الرقابة أو الإشراف السياسي الدولي.
ويُضاف إلى ذلك استخدام مصطلحات عامة مثل «الجماعات المسلحة»، وهي تعابير تفتقر إلى التحديد الدقيق، ما يجعلها قابلة لتفسيرات متعددة وربما متبدلة بحسب الظروف السياسية والأمنية.
كما يثير الاتفاق تساؤلات حول حدود الدور اللبناني في المحافل الدولية، خصوصاً إذا كان من شأن بعض بنوده أن يقيّد قدرة الدولة على اتخاذ إجراءات قانونية أو سياسية تجاه أي اعتداءات أو خروقات إسرائيلية مستقبلية.
ومن الزاوية الإنسانية والاقتصادية، يبرز الربط بين إعادة الإعمار وعودة النازحين وبين ملف نزع السلاح كأحد أكثر الجوانب حساسية. فإدخال الملفات المعيشية والإنسانية ضمن شروط سياسية وأمنية قد يحوّل حاجات الناس الأساسية إلى أدوات ضغط إضافية.
أما المسألة الأعمق، فتتمثل في البعد السياسي الذي يوحي بأن العلاقة بين لبنان وإسرائيل لم تعد تُقدَّم ضمن إطار حالة عداء مباشرة بالشكل التقليدي، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول إعادة تعريف مفهوم العدو ومصدر التهديد في المرحلة المقبلة.
ويلاحظ أيضاً وجود تفاوت في اللغة المستخدمة بين ما يُطلب من لبنان وما يُطلب من إسرائيل؛ إذ تأتي الالتزامات المفروضة على الجانب اللبناني بصيغة مباشرة وملزمة، بينما تبدو الصياغات المتعلقة بإسرائيل أكثر مرونة وأقل تقييداً، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى توازن الالتزامات بين الطرفين.
كما أن منح حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى غياب حالة العداء المباشر بين الطرفين، يفتح إشكالية قانونية وسياسية حول طبيعة الجهة التي سيُنظر إليها باعتبارها مصدر التهديد الفعلي.
ويبقى البند الأكثر حساسية مرتبطاً باتساع نطاق التطبيق ليشمل جنوب الليطاني وشماله، لأن ذلك يعني عملياً أن أي تقييم سلبي للأداء أو التنفيذ قد يفتح الباب أمام توسيع دائرة التدخلات والإجراءات لتشمل مساحة لبنانية أوسع.
في النهاية، لا تتعلق القضية بالدفاع عن طرف أو بمواجهة طرف آخر، بل تتعلق بسؤال الدولة نفسها: هل يبقى القرار السيادي اللبناني نتاج المؤسسات اللبنانية وحدها، أم يصبح خاضعاً لتقديرات خارجية تحدد الأولويات وترسم حدود الحركة؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة، لأن الدول لا تفقد سيادتها دفعة واحدة، بل قد تخسر أجزاء منها تدريجياً عبر نصوص واتفاقات تعيد تشكيل الوقائع تحت عناوين مختلفة.