نوال أبو حيدر
لم تعد الأزمة الزراعية في جنوب لبنان مجرّد تداعيات جانبية للحرب، بل تحوّلت إلى واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية والغذائية التي تواجه البلاد. فبين نزوح نحو 80% من المزارعين، وتضرّر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتقديرات دولية تتحدث عن خسائر بمليارات الدولارات، يقف القطاع الزراعي أمام اختبار وجودي يهدّد قدرته على الاستمرار والإنتاج لسنوات مقبلة. وفي وقت تتصاعد فيه المخاوف من تلوث التربة بمخلّفات القذائف، وتراجع مواسم أساسية كالزيتون والخضار بنسبة تصل إلى 50%، تتعاظم الضغوط على وزارة الزراعة لوضع خطة إنقاذ فعلية تتجاوز إطار الوعود والتقديرات النظرية.
وفي موازاة ذلك، تزداد خطورة المشهد مع تحذيرات برنامج الغذاء العالمي من تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحادّ، وبلوغ عدد المتضررين أكثر من مليون شخص، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على حماية الأمن الغذائي الوطني، وتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل القطاع، إضافة إلى مدى وجود التزامات دولية عملية لدعم لبنان في هذه المرحلة. وبين الأرقام الصادرة عن البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، وبين الواقع الميداني الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، يبقى السؤال الأساسي: هل تملك الجهات الرسمية رؤية واضحة وآليات تنفيذية سريعة لإعادة الحياة إلى الأرض الزراعية قبل أن تتحول الخسائر المؤقتة إلى انهيار طويل الأمد؟
ثلاثية الإنقاذ الزراعي
من هذا المنطلق، يقول وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، عبر صحيفة «اللواء» إن «وزارة الزراعة تتعامل مع هذا الواقع باعتباره أولوية وطنية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المناطق الريفية. ومنذ الأسبوع الأول للأزمة، أطلقت الوزارة خطة استجابة تدريجية تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: الاستجابة الطارئة، وإعادة التأهيل السريع، ثم التعافي المستدام.
فعلى المستوى العاجل، تعمل الوزارة بالتعاون مع البلديات والمنظمات الدولية على تنفيذ مسح ميداني شامل لتحديد حجم الأضرار الزراعية والبنى التحتية المتضررة، إلى جانب تأمين الدعم المباشر للمزارعين عبر مستلزمات الإنتاج، والأعلاف، والخدمات البيطرية، ودعم سلاسل القيمة الزراعية».
أما على المستوى المتوسط، فيتابع: «تركّز الخطة على إعادة تأهيل الأراضي الزراعية المتضررة، وإصلاح شبكات الري والطرقات الزراعية والمنشآت الإنتاجية، بما يسمح بإعادة الدورة الزراعية تدريجيا وفق أولويات مرتبطة بدرجة الأمان وحجم الضرر. ونتوقع أن تبدأ عملية استعادة جزء مهم من الإنتاج الزراعي خلال موسم إلى موسمين زراعيين في المناطق الأقل تضررا، فيما ستحتاج بعض المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة أو تلوث مباشر إلى برامج تأهيل أطول تمتد لعدة سنوات، وفق نتائج التقييم الفني والبيئي».
دعم دولي مرتقب؟
وفي سياق متصل، يشرح هاني أنه «لا شك أن حجم الخسائر يفوق قدرة الدولة اللبنانية منفردة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، ولذلك تعتمد الوزارة مقاربة قائمة على الشراكة مع المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والجهات المانحة. لذا لقد بدأنا بالفعل مسارا عمليا مع عدد من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والبنك الدولي، وبرنامج الأغذية العالمي، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من الصناديق والوكالات التنموية، بهدف الانتقال من مرحلة التقييم إلى مرحلة التمويل والتنفيذ».
ويعتبر أنه «هناك اليوم التزامات أولية وبرامج دعم قيد التنفيذ في بعض القطاعات، خصوصا ما يتعلق بدعم صغار المزارعين والثروة الحيوانية وإعادة تأهيل سلاسل الإنتاج، إلّا أن الوزارة لا تزال تعمل على حشد تمويل إضافي طويل الأمد يواكب حجم الأضرار الفعلية ومتطلبات التعافي الشامل. كما نعمل على إعداد مشاريع متكاملة تستند إلى معايير علمية وبيئية وتنموية، بما يسهل استقطاب التمويل الدولي ويضمن توظيفه ضمن أولويات واضحة ومستدامة».
رصد وتحديث الخسائر
وبشأن التقديرات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة بشأن خسائر القطاع الزراعي، والتي تقدّر بنحو 704 ملايين دولار بين عامي 2024 و2026، يقول هاني: «ننظر إلى هذه التقديرات باعتبارها مؤشرات علمية مهمة تساعد في فهم حجم الأزمة واتجاهاتها، وهي تستند إلى منهجيات تقنية معتمدة دوليا. وفي الوقت نفسه، تمتلك وزارة الزراعة آلياتها الوطنية الخاصة لرصد الأضرار وتحديث البيانات بصورة مستمرة. وقد فعّلت الوزارة فرقا فنية وميدانية بالتعاون مع المحافظات والبلديات والنقابات الزراعية والمنظمات الدولية، من أجل جمع البيانات المتعلقة بالأراضي الزراعية، والإنتاج، والثروة الحيوانية، والبنى التحتية، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية. كما نعمل على تطوير قواعد بيانات رقمية وأنظمة رصد تعتمد على الصور الفضائية والمسح الجغرافي والتقارير الميدانية، بهدف الوصول إلى تقييم ديناميكي ومتجدد يسمح بتوجيه التدخّلات بصورة دقيقة وفعّالة». مشيرا إلى أنه «من المهم التأكيد أن الأرقام تبقى متحركة ومرتبطة بتطور الأوضاع الميدانية، وبالتالي فإن عملية التقييم هي عملية مستمرة وليست ثابتة».
أخطر الملفات التي تواجه القطاع الزراعي!
وفي ضوء الحديث عن تلوث التربة بمخلّفات القذائف وخطر خروج مساحات إضافية من الإنتاج لسنوات، يشرح الوزير أن «هذا الملف يُعدّ من أخطر التحدّيات التي تواجه القطاع الزراعي حاليا، لأنه لا يهدّد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يطال صحة الإنسان وسلامة النظم البيئية على المدى الطويل. ومنذ بداية الأزمة، باشرت الوزارة بالتنسيق مع الجهات المختصة اللبنانية والدولية تنفيذ عمليات تقييم أولية للأراضي المتضررة، مع التركيز على تحليل التربة والمياه وتحديد مستويات التلوث المحتملة الناتجة عن مخلفات القذائف والمواد الخطرة».
ويضيف: «كما تعمل الوزارة بالتعاون مع مؤسسات بحثية ومنظمات دولية متخصصة على وضع بروتوكولات علمية للرصد والمعالجة وإعادة التأهيل البيئي، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحماية البيئة والصحة العامة. وعلى المستوى القانوني، نتابع هذا الملف ضمن الأطر الوطنية والدولية ذات الصلة بحماية البيئة والأراضي الزراعية، مع التأكيد على حق لبنان في حماية موارده الطبيعية وضمان سلامة مجتمعاته الريفية».
خسائر من 30% إلى 50% في المواسم الأساسية
أمام كل تلك المعطيات، يشرح هاني أن «هذا التراجع ناتج عن مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم نتيجة الأوضاع الأمنية، وتضرر البنى التحتية الزراعية، ونقص مستلزمات الإنتاج، وارتفاع كلفة التشغيل والنقل، إضافة إلى التأثيرات المناخية المتزايدة. وقد تأثّرت بشكل خاص الزراعات الموسمية والزيتون والثروة الحيوانية، نظرا لاعتمادها المباشر على الاستقرار الميداني واستمرارية الخدمات الزراعية. ولمواجهة ذلك، تعمل الوزارة على تعزيز برامج الصمود الزراعي من خلال توفير المدخلات الأساسية، ودعم الإرشاد الزراعي، وتحسين إدارة المياه، وتوسيع برامج الزراعة الذكية مناخياً، إلى جانب دعم التعاونيات الزراعية وسلاسل التسويق والتصنيع الغذائي. كما نعمل على تعزيز التنوع الزراعي وتقوية أنظمة الإنذار المبكر وإدارة المخاطر الزراعية، بهدف الحد من هشاشة القطاع أمام الأزمات المستقبلية».
استجابة غذائية متكاملة
وفي ظل التحذيرات المتصاعدة من برنامج الغذاء العالمي بشأن وصول نحو 1.24 مليون شخص إلى حالة انعدام أمن غذائي حاد، يشدد الوزير على أن «الأمن الغذائي اليوم لم يعد قضية زراعية فقط، بل أصبح قضية سيادية وتنموية وإنسانية مترابطة. ومن هذا المنطلق، تعتمد الوزارة مقاربة تكاملية تقوم على الربط بين السياسات الزراعية وبرامج الحماية الاجتماعية والاستجابة الإنسانية. كما وتعمل أيضا بشكل وثيق مع برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وسائر الشركاء الوطنيين والدوليين، لضمان استمرارية الإنتاج المحلي ودعم الفئات الأكثر هشاشة في الوقت نفسه. كما تركّز على دعم الإنتاج الزراعي المحلي باعتباره خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي الوطني، إلى جانب تعزيز سلاسل الإمداد، والحد من الفاقد الغذائي، وتحسين قدرة المجتمعات الريفية على الصمود».
ويختم: «نؤمن أن حماية القطاع الزراعي اليوم ليست فقط حماية لاقتصاد الريف، بل حماية للاستقرار الوطني والاجتماعي والغذائي للبنان ككل».