بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 كانون الأول 2025 12:08ص فرانكشتاين: من الرواية إلى الواقع

حجم الخط
تُعدّ «فرانكشتاين» واحدة من أشهر الروايات في الأدب العالمي، لكنها في الحقيقة حكاية تُعاد كتابتها كلّ يوم حولنا. هي رواية للكاتبة البريطانية ماري شيلي، تروي فيها قصة العالم فيكتور فرانكشتاين الذي قرّر أن يصنع كائنًا حيًّا من أجزاء وجثث الموتى، ثم يهجره هارباً من شكله المرعب، تاركاً إيّاه وحيداً ليواجه عالماً يرفضه ويطارده بالقسوة والاشمئزاز. يكبر المخلوق في عزلة، يعلّم نفسه القراءة ويحاول فهم البشر، لكنه يواجه الرفض والظلم من حوله. فيتحوّل من كائنٍ طيب إلى وحشٍ، ويقرّر الانتقام من صانعه الذي تخلى عنه. من هنا يتبادر الى أذهاننا سؤال جوهري: إذا كان الرفض قادراً على تحويل روح بريئة إلى وحش، فكم من «فرانكشتاين» نصنعه نحن يومياً بأفعالنا وكلماتنا؟
إن ما يجعل الرواية خالدة هو أننا نحن البشر نتحوّل إلى «فرانكشتاين» في واقعنا؛ نصنع وحوشاً كلّ يوم بلا تجارب مخبرية، بل من أخطاء التربية وإهمال المشاعر وترك الآخر وحيداً أمام خوفه أو نبذه لأنه مختلف... بالكلمة الجارحة، وبالتجاهل، وبالرفض، وبالتهميش، أو بعدم منحه فرصة للكلام والتعبير. فالطفل المُهْمَلُ، والتلميذ المختلف، والشاب المُعَنَّف، والمرأة المخدوعة... كلّ هؤلاء يمكن أن يتحوّلوا إلى «وحوش» صامتة، ليس بفعل شرّهم، بل بفعل قسوة العالم الذي يحيط بهم. نحن نخلق الوحش حين ننسحب في اللحظة التي يحتاج فيها أحدهم إلينا، حين نخذله وهو ضعيف، وحين نرفض الآخر فقط لأن شكله أو فكره لا يشبهنا، أو حين نصنع عالمًا لا مكان فيه للضعفاء إلّا في الزوايا المعتمة.
في الحقيقة ،إن الوحش الحقيقي ليس ذلك الذي خرج من مختبر فرانكشتاين، بل ذلك الذي نصنعه نحن حين نقسو أكثر مما يجب، وحين ننظر قبل أن نفهم، وحين نسمح للرفض أن يبني جداراً داخل روح إنسانٍ موجوع يبحث فقط عن نافذة نور، وأن يُمنح فرصة للحب والفهم قبل أن يُنبذ. إن الحزن والاختلاف إذا ليسا عيباً بل إنسانية مكتملة.
فالمخلوق المهجور ليس بالضرورة جسداً مركّباً من أجزاء الموتى؛ يكفي أن يكون إنساناً صنعه الإهمال، وشكّلته القسوة، وربّته الوحدة والشعور بالنقص. نحن نتحوّل إلى «فرانكشتاين» كلّ يوم عندما نهمل طفلاً يبحث عن كلمة حنان، أو نترك تلميذاً يتيه في فصله لأنه مختلف، أو نُطفئ صوت شاب يريد أن يُرى ويُسمَع ويُفهَم، أو نزرع في قلب إنسان شعوراً بأنه غير مرغوب فيه. نخلق الوحش حين نترك الآخر وحيداً في معركته، ونُدين الشكل قبل العقل والروح، وحين نحكم على الناس من النظرة الأولى وننسى أن وراء الوجوه قصصاً ومآسي لا يعرفها أحد. فالوحش لا يقيم في جسد مركَّب، بل في العزلة التي نصنعها للآخرين، وفي القسوة التي نمارسها باسم الحياة والأنانية. ومثلما ترك فرانكشتاين مخلوقه يواجه الظلم والظلام وحده، نحن أيضاً نهمل مسؤولياتنا الإنسانية ونخلق ألغازاً وندوباً مؤلمة في حياة الآخرين.
في واقعنا اليومي، ليس الوحش هو من يصرخ أو يغضب ويدمر، بل من تحوّل صراخه إلى درع دفاعي يحميه من جرحٍ تسببنا به نحن. قد يكون الوحش مجتمعاً لا يغفر، أو قريباً لا يسمع، أو قلباً يرفض المتمرّد. تماماً كما حدث مع مخلوق شيلي: لم يولد وحشاً، بل صار كذلك لأنه تمّ رفضه.
وهكذا تتحوّل رواية فرانكشتاين إلى مرآة لحياتنا؛ فنحن جميعاً، في لحظة ما، إمّا فيكتور الذي يتهرّب من مسؤوليته، أو المخلوق الذي ينتظر من يرى فيه ما هو أعمق من مظهره. ويبقى، أخيراً، السؤال الذي يلاحقنا: كم من «فرانكشتاين» صنعناه دون أن ندرك؟ وكم من إنسانٍ صامتٍ يتألم، ما زال ينتظر يداً تمتد إليه قبل أن يتحوّل إلى وحشٍ؟