ثمة أوقات يصبح فيها الحب عبئاً من الشجن، وتتحول فيها المشاعر تجاه الوطن إلى تمرينٍ يومي على الصبر والكبرياء المجروح. في واقع لبنان اليوم، يتسلل إلى الوجدان ذاك النداء القديم والدافئ للفنانة ليلى مراد، ليتحول من عتاب حبيبين إلى مرثيةٍ صامتة لوطنٍ يبتعد عن أبنائه، ويبتعد أبناؤه عنه؛ حتى باتت أقصى أمانيهم أن يقفوا على أرصفة المغارب والبحار ولسان حالهم يقول: «من بعيد يا حبيبي أُسلّم..
من بعيد من غير ما أتكلم عاجزين عن تبديل الواقع، وحائرين بالدموع. لقد تحول اللبنانيون، في الداخل والخارج، إلى تلامذة قسريين في مدرسة الصمت؛ «علّموني أصبر وأداري لوعتي» واليوم: «أديني بتعلّم».
هكذا يواجه اللبناني يومياته؛ يبتلع غصته، ويداري خوفه على مصير أهله وقراه تحت وطأة الأزمات، ويبتسم لغربته باحثاً عن رزقه، بينما قلبه معلّق بشاشات الهواتف وصور البيوت القديمة.
إنه أملٌ قسري وتأقلمٌ مرير، يتعلم فيه شعبٌ كامل كيف يعيش بلا مقومات، وكيف يقاوم العتمة والحروب بصبرٍ فُرض عليه ولم يختره. والمفارقة الأشد إيلاماً، هي ذلك الاغتراب الداخلي الذي يعيشه المرء وهو يسير في شوارع مدينته. حين ينظر اللبناني إلى بيروت اليوم، بعتمتها وفوضاها ووجعها، يشعر بغربةٍ عميقة وهو واقف على أرضه. يتأمل الملامح التي تبدلت، وحين يسأله الناس عن لبنان الثقافة والبحبوحة وملتقى الشرق، ينظر إلى الانهيار بدهشةٍ موجعة، ويكاد قلبه يهمس: «يسألوا وأقول مش هوّ» ليس هذا الوطن الذي عهدناه. إنه صراعٌ نفسي بين وطنٍ نحبه حتى الوجع، وواقعٍ يزداد قسوةً كل يوم.
«بين عذابي وابتهالي» يتأرجح نبض الحياة في لبنان؛ عذابُ المعاناة اليومية، ووجع توديع الأحبة في المطارات، وابتهالُ الأمهات اللواتي ما زلن يرفعن الدعاء بأن ينهض هذا البلد من كبوته.
ورغم كل شيء، يبقى اللبناني مؤمناً بأن الوطن لا يموت، وأن البلاد التي تعبت كثيراً لا بد أن يأتيها فجرٌ يليق بصبرها. سيبقى عشاق لبنان يرسلون سلامهم الدافئ، ويُلوّحون له بالحب والدعاء، سلاماً يأتيه:
«من بعيد.. من غير كلام» حاملاً عتباً رقيقاً بحجم هذا الحنين، على أمل أن تُطوى مسافات الجفاء والحروب،
ويعود اللقاء قريباً على أرضٍ تستحق أخيراً السلام والأمان.