الترامبية واستراليا
سيدني- قبل ثلاثين عاما قام أحد زملائي في الحكومة البريطانية والذي كان لديه مسؤوليات وزاريه في افريقيا وآسيا بتعليق خارطه للعالم في مكتبه بشكل مقلوب حيث كان يقول أن وضع ما كان يدعى بالعالم الثالث في القمه يحسن من فهمه لمشاكل ورؤى تلك البلدان ولكن بالنسبة للبريطانيين فإن الدوله التي ستصل اليها لو قلبت العالم رأسا على عقب هي استراليا .
لقد كان يتم تعليم اطفال المدارس أنه لو تم حفر قناه بشكل مستقيم عبر الكوكب فإنه سينتهي بك المطاف في استراليا . لقد كانت مواسمهم هي عكس مواسمنا وايامهم عكس ايامنا وهي نقطه تعززت في بريطانيا عندما كنا نستمع في ساعات الصباح الاولى الى تعليقات مباريات الكريكت من بريزبين او ادلايد وبينما كانت بريطانيا تغط في النوم كان الاستراليون يلعبون والشمس مشرقه.
استراليا هي بلد جميل ومزدهر مع وجود مناظر طبيعيه خلابه ومدن متميزه وخاصة سيدني وميلبورن. ان استراليا تتمتع بديمقراطيه صاخبه وتقدير عميق لحكم القانون بالاضافة الى ان المجتمع الاسترالي هو مجتمع حر ومنفتح كما يعتبر ملاذا للمهاجرين واللاجئين من جميع ارجاء العالم وبينما كانت معاملة استراليا للسكان الاصليين فيها في الماضي معامله صعبه ، الا ان استراليا تمتعت بالشجاعه والنضوج الكافيين للإقرار بالحقائق المره.
لكن هذا البلد الذي يثير الإعجاب يواجه حاليا تحدي وجودي وبينما يزداد التوتر في علاقة استراليا بالولايات المتحده الامريكيه فإن الديناميه السياسيه فيها اصبحت بشكل متزايد معقده وخطره.
لقد تمتعت استراليا لعشرات السنين بشراكه وثيقه مع الولايات المتحده لإسباب ليس أقلها الأسباب الأمنيه ولكن خلال السنه الاولى لتولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم لم يقم ترامب بالتشكيك في العلاقات مع العديد من حلفاء أمريكا التقليديين فحسب بل قام كذلك بالعمل بشكل فعال من اجل تقويض أنظمة التعاون العالمي والإقليمي التي كانت الولايات المتحدة رأس الحربه فيها والضامن لها حيث عكس ترامب التقدم الذي حققه اسلافه بشق الأنفس في بناء علاقات وعقد صفقات ثنائيه مفيده بما في ذلك الإتفاقيه النوويه مع ايران وصفقة الشراكه عبر المحيط الهادي التجاريه وإتفاقية باريس للمناخ.
وعلى النقيض من إدعاءات ترامب بإن سياساته ستجعل "أمريكا عظيمه مجددا" فإنه يقوض بشكل كبير دور بلاده في العالم فحلفاء أمريكا القدامى يأسفون أن الولايات المتحده وهي بلد كانوا دائما يكنون له الإعجاب يتم قيادتها حاليا من قبل مشعل حرائق دبلوماسي كذاب ولا يمكن الوثوق به.
إن هذه أخبار سيئة لاستراليا والتي من الواضح انها ترغب في بناء شراكة أقوى مع القوى الإقليمية التي تشاطرها قيمها وإهتمامتها الديمقراطيه بما في ذلك الهند واليابان والولايات المتحده الأمريكية. إن مثل هذا التحالف لا يسعى الى إحتواء الصين بل التحقق من أنها لن تسيء إستخدام قوتها في إذكاء التوترات وإنعدام الإستقرار على المستوى الإقليمي.
وبدون ثقل موازن إقليمي يمكن الإعتماد عليه فإن هذا بالضبط ما يبدو ان الصين متلهفه لعمله. إن الرئيس الصيني تشي جينبينغ مثل ترامب قد عكس الكثير من سياسات أسلافه بما في ذلك بعض إصلاحات السوق التي طبقها دينغ كيساوبينغ وبعد أن عمل تشي على وجود عبادة للشخصيه تتعلق به على شاكلة ما كان يحدث آبان حكم ماو ، أعلن تشي ان الوقت قد حان لجعل الصين عظيمه مجددا.
إن هذا يعني أن سياسه ضبط النفس فيما يتعلق بالسياسة الخارجية قد انتهت كما عمل تشي على تمكين الحزب الشيوعي الصيني من إعادة تأكيد سيطرته على الإقتصاد وأصبحت التجاره الحرة مجددا تتبع القطاع العام وتم إطلاق العنان "للجبهة الشيوعيه الموحده".
لقد سعى كل نظام شيوعي منذ الثورة الروسية سنة 1917 لإستخدام "الجبهه الموحده" من أجل توسيع قوة الحزب في الوطن وخارجة بطرق قد تكون خفية أو علنية ولكن دائما تنطوي على الخداع والجبهة الموحده الصينية اليوم لا تشذ عن هذه القاعدة واستراليا هي من البلدان المستهدفة.
تتمتع أستراليا بعلاقات إقتصادية قوية مع الصين والتي تشتري الكثير من معادنها ومنتجاتها الزراعية والصين بدورها تصدر الأموال والناس لإستراليا وذلك من عالم الاعمال الى القطاع الأكاديمي ومعظم الصينيين في أستراليا وبعضهم يعتبرون أستراليا موطنهم الجديد بمثابة ملاذ من القمع والفساد أصبحوا أستراليون متحمسون مع إفتخارهم بتراثهم الصيني.
لكن هناك عدد قليل جدا من الصينيين في استراليا سمحوا لإنفسهم بإن يصبحوا جنودا في خدمة الدكتاتورية الصينية اللينينة (ليست شيوعيه بالفعل) وأن يتم التلاعب بهم من قبل الدبلوماسيين الصيينين وبعض رجال الأعمال . إن تأثيرات نشاطاتهم أصبحت واضحة في سلوك السياسة الخارجية ومحاولات حشد الأصوات ضد الحكومة.
لقد قامت حكومة رئيس الوزراء الأسترالي الحالي مالكوم تيرنبل بالرد على تلك النشاطات وذلك من خلال تشريع يمنع التبرعات الأجنبية للإحزاب السياسية والجماعات الناشطة بما في ذلك بعض الجمعيات الخيرية كما إن التشريع يطلب من السياسيين والعاملين في جماعات الضغط والتنفيذيين السابقين الذين يعملون حاليا لمصالح اجنبية أن يقوموا بالإعلان صراحة لو أرادوا الإنخراط في السياسة الأسترالية .إن هذه الخطوة تهدف بشكل واضح لمنع التدخل الأجنبي وخاصة الصيني في الحياة الديمقراطية في أستراليا.
إن تصدي تيرنبل للتدخل الأجنبي في السياسة المحلية هو بمثابة محاولة جريئة لتعزيز وضع أستراليا في الجنوب العالمي .إن من الواضح أن تيرنبل مستعد لإن تكون أستراليا صديقة للصين ولكنه غير مستعد لإن يتم التنمر على أستراليا أو التلاعب بها.
إن من المؤكد أن وجود جبهه موحدة من الدول الديمقراطية سيساعد في توصيل هذه الفكره ولكن تصرفات ترامب غير المسؤولة لا تساعد في دعم أستراليا فحسب بل تقوض أيضا جهود تيرنبل. إن من المؤكد أن أستراليا مثل العديد من الحلفاء التقليديين الآخرين تتطلع قدما أن يأتي اليوم الذي لا يتمكن فيه ترامب بسياستة القومية الفاشلة والفجة من إلحاق الضرر ببلده والبلدان الأخرى.
المصدر: PS، موقع "اللواء"






