بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 كانون الأول 2025 12:09ص 860 كلم² ضاعت: الترسيم الذي فتح البحر لإسرائيل وأغلقه على لبنان

حجم الخط
د. محمد دوغان

يشكّل ملف الترسيم البحري في شرق المتوسط نموذجاً معقّداً لتداخل القانون الدولي مع حسابات الطاقة والسياسة. فمنذ اكتشاف ثروات الغاز في هذه المنطقة، تحوّلت الحدود البحرية إلى محور صراع استراتيجي بين الدول المجاورة، لا سيما لبنان وإسرائيل وقبرص، حيث أصبح خط واحد أو نقطة جغرافية قادراً على نقل مليارات الدولارات من طرف إلى آخر. وتبدو الأزمة اللبنانية - الإسرائيلية في هذا المجال نتاجاً لمسار طويل من الأخطاء التقنية، والثغرات القانونية، والضغوط الجيوسياسية التي استغلّتها إسرائيل على نحو مدروس.
تبدأ القصة مع إيداع لبنان خريطته البحرية لدى الأمم المتحدة عام 2010، والتي اعتمد فيها النقطة 23 أساساً لحدوده الجنوبية مع فلسطين المحتلة. الرد الإسرائيلي جاء سريعاً عام 2011 بترسيم مضاد يمنحه امتداداً أعمق داخل البحر شمالاً. غير أنّ جذور المشكلة تعود فعلياً إلى اتفاق الترسيم بين لبنان وقبرص عام 2007، إذ اعتمد لبنان النقطة 1 بدلاً من النقطة 23 بناءً على تفاهمات غير مكتوبة مفادها أن إسرائيل ستتراجع المسافة نفسها جنوباً في مفاوضاتها مع قبرص، بحيث يُترك ممر مائي للسفن. لكن ما حصل هو نقيض ذلك تماماً: إسرائيل تمسّكت بالنقطة 1 خطاً نهائياً، فقامت عملياً بـ «قضم» مساحة بحرية تبلغ 860 كلم² من المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة.
هذا الخلل التفاوضي اللبناني أعطى إسرائيل فرصة نادرة لتثبيت خطوط بحرية جديدة في ظل غياب موقف لبناني واضح وسريع، بينما اكتفت قبرص بالتأكيد في رسالة رسمية عام 2011 أنّ اتفاقها مع إسرائيل لا يضرّ حقوق لبنان، وأنها مستعدة لإعادة النظر بالنقاط الجغرافية. لكن الضرر كان قد وقع، والفرصة التي وجدت إسرائيل نفسها أمامها كانت ثمينة: تثبيت واقع قانوني يمكن البناء عليه لاحقاً في كل ما يخص حقول الغاز الكبرى في شرق المتوسط، وعلى رأسها ليوثان وتمار، اللذين تعتبرهما إسرائيل حقولاً ذات سيادة لا تقبل النقاش، في حين يؤكد خبراء لبنانيون أنّ موقعهما الجيولوجي أقرب إلى المياه اللبنانية.
في هذا السياق، برز سؤال جديد مع توقيع الاتفاق اللبناني - القبرصي مؤخراً: لماذا هذا الإصرار على الإسراع؟ ولماذا بدا الأمر وكأنه أولوية إقليمية ودولية؟ هنا يظهر بوضوح أنّ إسرائيل تملك مصلحة حقيقية في تسريع أي خطوة تؤدي إلى تثبيت حدود قبرص من جهة لبنان، لأن ذلك ينعكس تلقائياً على الترسيم الثلاثي مع إسرائيل نفسها. فكلما ضاق هامش المناورة أمام لبنان شمالاً، تقلّصت قدرته على تعديل حدوده جنوباً، وبالتالي تصبح الخرائط الإسرائيلية أقرب إلى «أمر واقع» غير قابل للتراجع، من يسيطر على الخطوط اليوم يسيطر على الغاز غداً.
إلى جانب ذلك، تخشى إسرائيل من أي مسار قد يؤدي إلى تعاون بحري لبناني - تركي. تركيا تملك نفوذاً واسعاً في البحر، ورصيداً قانونياً كبيراً في ملفات الترسيم، واعتراضها الصريح على الاتفاق الأخير يعكس خوفاً إقليمياً من تغيّر التوازنات، إذ ترى أنقرة أنّ أي اتفاق بحري في شرق المتوسط قد يمسّ نفوذها البحري وفق مبدأ «الوطن الأزرق». إسرائيل تستفيد عندما تُستبعد تركيا، خصوصاً أن الأخيرة قد تدعم لبنان قانونياً في مواجهة الخرائط الإسرائيلية، لذا فإن تثبيت الخطوط سريعاً يضمن لإسرائيل بيئة تفاوضية مريحة.
كما أنّ إسرائيل تعمل على مشاريع استراتيجية لتصدير الغاز إلى أوروبا، سواء عبر مشروع EastMed أو عبر تقنيات الغاز المسال. هذه المشاريع تتطلب بيئة بحرية مستقرة من دون نزاعات حدودية مفتوحة. أي تأخير في الترسيم بين لبنان وقبرص يبقي ملف الحدود الجنوبية للبنان مفتوحاً، ويترك احتمال الطعن بشرعية استثمارات إسرائيل في ليوثان وتمار قائماً. أما عندما تُنهي الدول المجاورة خطوطها البحرية وتُسلّم بها الأمم المتحدة، تصبح قدرة لبنان على الاعتراض ضعيفة، حتى لو بقي النزاع السياسي قائماً.
من الناحية الدستورية، يبرز أيضاً سؤال أساسي: هل يجب عرض الاتفاق على مجلس النواب اللبناني؟ إن تفسير المادة 52 من الدستور يشير إلى أن المعاهدات التي تمسّ الحدود أو السيادة يجب أن تُقرّ في مجلس النواب، لأن الترسيم ليس اتفاقاً تقنياً بل خطوة سيادية تمسّ ثروة وطنية. لكن محاولة الحكومة اعتبار الاتفاق فنياً فقط قد يشكّل محاولة للالتفاف على المناقشة البرلمانية التي قد تفتح ملف التنازلات السابقة ومسؤولية الدولة عنها. هذا الجدل القانوني يعكس بدوره طبيعة الملف: اقتصادي وسيادي وسياسي في الوقت نفسه.
إن جمع هذه العناصر معاً يظهر أنّ الاتفاق الأخير ليس حدثاً تقنياً بسيطاً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة توازنات دقيقة في شرق المتوسط. من جهة، يمكن القول إن لبنان أعاد تصحيح خطأ سابق وأثبت مجدّداً خرائطه لدى الأمم المتحدة. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن سرعة الإنجاز جاءت نتيجة ضغوط أميركية - إسرائيلية هدفها الأساسي تثبيت خطوط تخدم مشاريع الغاز الإسرائيلية وتقليص القدرة التفاوضية للبنان قبل أي مسار ترسيم نهائي مع إسرائيل.
في الخلاصة، يبدو واضحاً أنّ إسرائيل تستفيد من أي خطوة تؤدي إلى استقرار بحري في المنطقة ما عدا حدودها مع لبنان، فهي تريد كل شيء مضبوطاً حولها ومفتوحاً فقط حيث تناور. أما لبنان، فبين خرائط دقيقة، وثروات محتملة، وقرارات متأخرة، يجد نفسه في سباق مع الوقت لإعادة بناء منظومته التفاوضية قبل أن تتحوّل نقطة واحدة في البحر إلى خسارة استراتيجية جديدة في ملف الغاز، الذي قد يكون أهم ثروة اقتصادية يمتلكها.