5 حزيران 2026 12:10ص آفاق الصراع المفتوح: مآلات حرب 2026 وصياغة «القرن ما بعد الأميركي»

حجم الخط
طلال الساحلي*

تشكّل المواجهة العسكرية الحالية بين التحالف الأميركي - الإسرائيلي وإيران المنعطف الجيوسياسي الأكثر خطورة في مسار العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي لم تعد مجرد صدام إقليمي محدود، بل استقرت «كمختبر حي» لإعادة صياغة موازين القوى الكونية ووضع حد نهائي لحقبة الأحادية القطبية.
كما تشهد البيئة الدولية لحظة تحوّل تاريخية تكاد تكون الأكثر حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، إذ تتقاطع هذه الحرب مع لحظة تصاعد التنافس الأميركي - الصيني ومع تصدّع قواعد النظام الدولي الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الصين ولقاؤه بالرئيس شي جين بين بوصفها حدثا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية ليعكس إدراكا متبادلا بان العالم يقف على اعتاب مرحلة انتقالية كبرى قد تؤسس لقرن «ما بعد أميركي»، أو على الأقل لمرحلة تتراجع فيها الأحادية القطبية لصالح نظام متعدد الأقطاب.
لقد كشفت الزيارة، رغم طابعها البروتوكولي والرمزي عن تحوّلات عميقة في إدراك واشنطن وبكين لطبيعة الصراع العالمي. فالولايات المتحدة التي خاضت خلال العقود الثلاثة الماضية حروبا مفتوحة في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معضلة استراتيجية مزدوجة: فهي من جهة تحاول منع إيران من التحوّل الى قوة إقليمية عصيّة على الاحتواء، ومن جهة أخرى تسعى الى إبطاء الصعود الصيني المتسارع في الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي. غير ان الجمع بين هذين الهدفين بات أكثر صعوبة، خصوصا في ظل التكاليف الاقتصادية والسياسية الهائلة للحرب المفتوحة في الشرق الأوسط.
في المقابل تنظر الصين الى الحرب الدائرة باعتبارها لحظة استنزاف تاريخي للقوة الأميركية. فبكين لا تسعى الى مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، بل تعتمد استراتيجية «الصعود الهادئ» القائمة على توسيع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي وربط الأسواق العالمية بمشاريعها الكبرى، وعلى رأسها «الحزام والطريق».
ومن هذا المنظور فان انخراط الولايات المتحدة في صراع طويل مع إيران يمنح الصين هامشا زمنيا واستراتيجيا لتعزيز موقعها العالمي وإعادة بناء شبكات نفوذ بديلة عن النظام الذي تهيمن عليه واشنطن. ولهذا بدت بكين، خلال زيارة ترامب، حريصة على إظهار نفسها بوصفها قوة مسؤولة تدعو الى الاستقرار ومنع الانفجار الإقليمي، في مقابل صورة الولايات المتحدة المنخرطة في إدارة الحروب والأزمات.
ان الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة مرتبطة بالملف النووي أو بأمن إسرائيل، بل تحوّلت الى جزء من معركة أوسع حول شكل النظام الدولي المقبل.
فالشرق الأوسط، الذي شكّل لعقود طويلة قاعدة مركزية اللهيمنة الأميركية عبر التحكم بممرات الطاقة والتحالفات الأمنية، يشهد اليوم تحوّلات تدريجية تقلص من القدرة الأميركية على فرض إرادتها بصورة مطلقة. وقد أظهرت الحرب الحالية حدود القوة العسكرية التقليدية، إذ لم يعد التفوّق الجوي والتكنولوجي كافيا لحسم الصراعات المعقدة متعددة الجبهات، خاصة في ظل تنامي أدوات الحرب غير المتكافئة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة الى الحرب السيبرانية والشبكات الإقليمية المسلحة. ومن هنا فان ما يقلق واشنطن ليس قدرة إيران على الصمود، بل ان تتحوّل الحرب الى مؤشر عالمي على تراجع فعالية القوة الأميركية ذاتها. فالنظام الدولي لا يتغيّر عادة عبر إعلان سياسي مباشر، بل من خلال تراكم الأزمات التي تكشف حدود القوة المهيمنة وعجزها عن ضبط النظام العالمي وفق قواعدها السابقة.
هذا ما يجعل حرب الـ 2026 لحظة شبيهة - من حيث الدلالة التاريخية – بمحطات مفصلية كحرب السويس عام 1956 التي كشفت أفول الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، أو حرب فيتنام التي مثّلت اهتزاز الثقة بالهيمنة الأميركية.
لقد حملت زيارة ترامب الى بكين دلالات تتجاوز لغة الاتفاقات الاقتصادية أو التفاهمات المرحلية. فاللقاء عكس اعترافا أميركيا ضمنيا بان إدارة النظام الدولي لم تعد ممكنة دون تفاهمات مع الصين، حتى وان بقي التنافس بين الطرفين قائما. كما أظهرت الزيارة ان بكين باتت تمتلك من الثقل الاقتصادي والسياسي ما يفرض على واشنطن التعامل معها بوصفها ندّا استراتيجيا لا مجرد منافس تجاري. وقد ركّزت المباحثات على ملفات التجارة والطاقة والذكاء الاصطناعي والحرب مع إيران، في إشارة واضحة الى ان الصراع العالمي الجديد لم يعد يقتصر على المجال العسكري، بل بات يشمل السيطرة على التكنولوجيا وسلاسل الامداد والمعرفة الرقمية.
في هذا السياق، يبدو ان العالم يتجه نحو نمط جديد من التوازنات الدولية يقوم على «التعددية المرنة»، حيث تتراجع فكرة القطب الواحد من دون ان يعني ذلك ظهور قطب بديل قادر وحده على الهيمنة. فالصين رغم صعودها الكبير، لا تزال مترددة في تحمل أعباء القيادة العالمية المباشرة، بينما تواجه الولايات المتحدة استنزافا متزايدا في قدرتها على إدارة الأزمات الدولية منفردة. أما روسيا فتسعى الى استثمار هذه المرحلة لتعزيز موقعها كقوة موازنة، خصوصا في ظل تقاربها المتزايد مع الصين وإيران في مواجهة الضغوط الغربية. ان القرن «ما بعد الأميركي» لا يعني بالضرورة انهيار الولايات المتحدة أو اختفاء نفوذها، بل يشير الى تراجع قدرتها على احتكار صناعة القرار الدولي كما حدث بعد عام 1991. فالقوة الأميركية ستظل حاضرة عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، لكنها ستواجه بيئة دولية أكثر مقاومة وتنافسية، حيث تمتلك القوى الأخرى هامشا أوسع للمناورة والتأثير. ومن المرجح أن تكون المرحلة المقبلة أقرب الى نظام عالمي «متعدد المراكز»، تتوزع فيه القوة بين واشنطن وبكين وموسكو وقوى إقليمية صاعدة مع استمرار حالة السيولة وعدم الاستقرار.
وفي ضوء ذلك، تبدو حرب 2026 أكثر من مجرد مواجهة إقليمية؛ انها اختبار تاريخي لمستقبل النظام الدولي بأسره. فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض معادلة ردع جديدة وإعادة تثبيت هيمنتها في الشرق الأوسط، فقد تتمكن من إبطاء التحوّلات الجارية في ميزان القوة العالمي. أما إذا تحوّلت الحرب الى استنزاف طويل يضعف القدرة الأميركية على التركيز الاستراتيجي، فان ذلك قد يسرّع الانتقال نحو عالم ما بعد الأحادية القطبية، ويمنح الصين مساحة أوسع لقيادة النظام الاقتصادي الدولي الجديد. وهكذا فان زيارة ترامب الى الصين لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كانت انعكاسا لوعي متزايد لدى القوتين بان العالم القديم يقترب من نهايته، وان النظام الذي حكم العقود الثلاثة الماضية يتعرض اليوم لاختبار غير مسبوق.
من هنا يمكن القول ان حرب 2026 ليست فقط حربا على إيران، بل هي أيضا حرب يترتب على نتائجها شكل القرن الحادي والعشرين نفسه: هل يبقى قرنا أميركيا ممتدا، أم يتحوّل الى قرن تتوزع فيه القوة والنفوذ بين عدة مراكز حضارية وجيوسياسية متنافسة؟
ذلك هو السؤال، الذي سيحدد الجواب عليه ملامح النظام الدولي لعقود قادمة.

* وزير سابق