فؤاد بوجي
منذ أكثر من أربعة عقود، لا يعاني لبنان من نقص في الاتفاقات. من اتفاق 17 أيار إلى اتفاق الطائف، ومن القرار 1701 إلى التفاهمات والترتيبات التي أعقبت حربي 2006 و2024، تتكرر القصة نفسها: اتفاق يولد، ووعود تُطلق، وبيانات تؤكد بداية مرحلة جديدة، ثم تبدأ المعركة الحقيقية... معركة التنفيذ.
ولهذا السبب، فإن أي حديث اليوم عن تفاهمات أمنية جديدة أو ترتيبات سياسية أو مسارات تفاوضية مستقبلية يجب ألا يُقاس بما تتضمنه النصوص من بنود وتعهدات، بل بمدى القدرة الفعلية على ترجمتها إلى واقع. فالتاريخ اللبناني يعلّمنا أن المشكلة لم تكن يوماً في كتابة الاتفاقات، بل في تطبيقها.
في عام 1983، جاء اتفاق 17 أيار في ظل ظروف إقليمية وأمنية معقّدة، حاملاً رؤية لإعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل وإنهاء تداعيات الاجتياح الإسرائيلي. لكن الاتفاق لم يعش طويلاً، ليس فقط بسبب الجدل السياسي الذي أحاط به، بل لأن البيئة الداخلية والإقليمية لم تكن تسمح بتحويله إلى واقع مستدام. يومها، سقط الاتفاق قبل أن يختبر فعلياً على الأرض، مؤكداً أن النصوص وحدها لا تصنع الوقائع.
بعد سنوات من الحرب الأهلية، جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليشكّل نقطة تحوّل تاريخية في حياة اللبنانيين. وقد نجح بالفعل في إنهاء الحرب وإعادة إطلاق مؤسسات الدولة، لكنه لم يُنفذ كاملاً كما ورد في نصوصه. فالإصلاحات السياسية الجوهرية بقيت معلقة، واللامركزية الإدارية بقيت مشروعاً مؤجلاً، وإنشاء مجلس الشيوخ بقي بنداً ينتظر التنفيذ منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهكذا تحوّل الطائف إلى اتفاق ناجح في بعض جوانبه، ومؤجل التنفيذ في جوانب أخرى لا تقل أهمية.
وفي عام 2006، وبعد حرب مدمرة، جاء القرار 1701 ليؤسس لمرحلة جديدة في الجنوب اللبناني. يومها، تحدث الجميع عن قواعد جديدة للاستقرار وعن دور أكبر للدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية. لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن جزءاً مهماً من أهداف القرار بقي موضع خلاف سياسي وأمني، وأن الواقع الميداني سار أحياناً في اتجاهات مختلفة عما رسمته النصوص الدولية.
المشهد نفسه عاد بأشكال مختلفة بعد حرب 2024 وما تبعها من جهود دبلوماسية ومفاوضات أمنية. فبين الطموحات الدولية لإنتاج واقع جديد وبين تعقيدات الساحة اللبنانية وتشابكاتها الإقليمية، بقي التنفيذ هو الحلقة الأكثر هشاشة والأصعب تحقيقاً.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يتعلق بمضمون أي اتفاق جديد أو بأي إطار تفاوضي محتمل، بل يتعلق بما إذا كانت الشروط التي أعاقت تنفيذ الاتفاقات السابقة قد تغيّرت فعلاً. فالتجربة أثبتت أن نجاح أي تسوية يحتاج إلى أكثر من رعاية دولية أو تفاهمات سياسية. يحتاج إلى توافق داخلي كافٍ، وإلى بيئة إقليمية تسمح بالتطبيق، وإلى دولة تمتلك القدرة والإرادة لفرض ما يتم الاتفاق عليه.
اللبنانيون، بعد عقود من الأزمات والحروب والتسويات غير المكتملة، لم يعودوا يبحثون عن اتفاق جديد بقدر ما يبحثون عن تنفيذ فعلي لما يُتفق عليه. لقد سئموا البيانات التي تعد بالاستقرار فيما يبقى الواقع أسير التعقيدات نفسها، وسئموا الاحتفال ببدايات لا تكتمل ونهايات لا تصل.
ولهذا، فإن التحدّي الحقيقي أمام أي مسار سياسي أو أمني جديد لا يكمن في الوصول إلى اتفاق، بل في كسر القاعدة التي حكمت الحياة اللبنانية لعقود: اتفاقات كثيرة وتنفيذ قليل.
فهل تكون هذه المرة مختلفة؟ وهل ينجح لبنان أخيراً في الانتقال من دولة تتراكم فوقها التسويات والقرارات إلى دولة قادرة على تنفيذها؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر اللبنانيون جوابه، لا في نصوص الاتفاقات المقبلة، بل في الوقائع التي ستُكتب على الأرض.