د. جيرار ديب
أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الخميس 8 كانون الثاني، أن عملية «استلام المعسكرات» في محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي البلاد، جرت بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، في حين أعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي انتصار الدولة بعد بسط السيطرة على المحافظتين.
ولكنّ ما أعلنه العليمي السبت 9 كانون الثاني، من أن كل القوى العسكرية في جنوب اليمن ستعمل بإمرة التحالف الذي تقوده السعودية، لم يكن دقيقاً، حيث استبعد مسؤول في المجلس الانتقالي الأحد 10 منه، فرج البحسني، أن تعمل القوى المسلحة في جنوب البلاد تحت إمرة التحالف، في دلالة واضحة على إن هناك «خربطات» لم تتوضح بعد في شأن الانسحاب الإماراتي «الإرادي» من اليمن والتخلّي عن طموح الحضور على خليج عدن، من خلال بناء مرافئ تجارية لها، هذا في الشكل، ولكن في المضمون هو هدف ربط النفوذ بأرض الصومال.
شكّل الردّ السعودي الحازم على قوات التحالف الانتقالي المدعومة إماراتياً «صدمة» عند المتابع على قاعدة، إن التعاون الإماراتي - السعودي بدأ من الإعلان عن «عاصفة الحزم» لمواجهة المدّ الحوثي، في أذار 2015. إلّا أن الأكيد أن الحوثي استغل انشغال الحلفاء لتوسيع دائرة نفوذه، فشنّت جماعته هجوماً في منطقة كرش، وفق ما أكده مصدر عسكري لـ«العربي الجديد»، الجمعة 9 كانون الثاني، وأسفر عن سقوط قتلى من الجانبين. في ظل ما يحدث على أرض اليمن، فهل لم يزل الإيراني يمثل خطر التهديد الأمني للمملكة؟
في مشهد يعكس تحوّلاً جذرياً في مسار التحالفات داخل الحرب اليمنية، كشفت تطورات متسارعة عن تصدّع غير مسبوق في العلاقة بين السعودية والإمارات. إذ أعلن التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن في 30 كانون الأول الماضي، أنه نفذ «عملية محدودة عسكرية» استهدفت أسلحة وعربات قتالية قادمة من الإمارات بميناء المكلا في محافظة حضرموت التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التدخّل السريع للمملكة في اليمن يأتي تحت شعار «حماية أمنها القومي»، إلّا أن أمنها لا يقف عند حدود حضرموت، فالسعودي وجد في طموح نتنياهو ودعوته «التفتيتية» للمنطقة الخطر الحقيقي على أمن المملكة.
أعادت الصين ترتيب لقاء في 10 أذار عام 2023، لإعادة الصلح بين المملكة العربية والجمهورية الإسلامية في إيران، باتفاق معلن في العاصمة الصينية. هذا الاتفاق لم يكن وحيداً بل ترافق مع سلسلة من اللقاءات على مختلف الصعد، والذي نقل حالة الصراع بين الدولتين إلى حالة من تطبيق سياسة «فكّ الاشتباك» تحت ضمان المصالح المشتركة، ومن تلك العلامات على هذا، توقفت الهجمات الحوثية على الداخل السعودي.
بهذا الاتفاق فقدت، على ما يبدو، طهران وظيفتها كـ«شرطي الخليج»، في حين تشهد المنطقة على سلسلة من التغييرات الجيوسياسية بعد السابع من تشرين الأول عام 2023، التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدعم واضح من الإدارة الأميركية. إذ لم يخفِ نتنياهو أهداف الاستمرار في الحرب على أكثر من جبهة، والتي تخطت إضعاف المحور المرتبط في إيران، إلى اعادة رسم خارطة المنطقة على قاعدة الدفع بدولها إلى التوقيع على «اتفاقات أبراهام»، لإرساء السلام الأميركي المزمع. بينما لم ينم النظام في ايران ووكلائه وشعوب المنطقة تلك الليلة منتظرة ضربة أميركية على إيران، كان الرئيس الأميركي يخاطب وسائل الإعلام عن أهمية شرب حليب كامل الدسم ويوقع على مشروع قانون يسمح بإدخاله كمكون غذائي إلى المدرسة. وفي لبنان يخرج علينا أبو رأس مربع ليحدثنا عن عظمة إيران.
الموقف السعودي في رفض نشر الفوضى في إيران، على اعتبار أنّ هذا سيتمد إلى المنطقة تقاطع مع موقع دولة قطر، الذي أكد وزير خارجيتها، رئيس الوزراء، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في اتصال مع أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، دعم قطر لجهود خفض التصعيد.
وجّهت الرياض اتهامات إلى دولة الإمارات على اعتبار أنها مشاريعها في كل من اليمن وليبيا والسودان، وحتى نيّتها الاعتراف بسيادة أرض الصومال، مشروع يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية، بدعم أميركي. هو مشروع تعمل إدارة نتنياهو المتطرفة إلى ترتيب المنطقة جغرافياً وسياسياً، هذه الرؤية حفّزت السعودي إلى اعتبار أن الأمن القومي لا يرتبط بالحدود الجغرافيا المشتركة مع حضرموت، لكنّ يحمل أبعاداً ترتبط بمخططات إسرائيلية في المنطقة وكلّ من يتقاطع معها.
تدرك الرياض أن الدور الإسرائيلي في سوريا سلبي في إعادة بناء الدولة وتثبيت ركائزها، كذلك الأمر في لبنان، الذي تمارس على أراضيه الاعتداءات المستمرة بذريعة ضرب قواعد وبنى للحزب أو اغتيال عناصره رغم التأكيدات الرسمية والعسكرية على انتشار الجيش جنوب الليطاني. ومن سوريا ولبنان، إلى الصومال، التي اعترفت إسرائيل بسيادة أرض الصومال كأول دولة تقدم على ذلك منذ عام 1990.
تحت شعار «الإبقاء على أنظمة ضعيفة، أفضل من نشر الفوضى»، تكرّس السعودية أمنها القومي، لتقف في وجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافضة لمشاريع التقسيم في المنطقة. هذا ما يدفع بها إلى تشكيل حلف عربي – إقليمي يعمل على وقف فرملة الجنوح الإسرائيلي نحو تقسيم المنقطة. يتشكل التحالف الذي يقوده المملكة من تركيا ومصر وإيران وقطر، إضافة إلى باكستان التي تمتلك ردعاً نووياً.
لن تدخل المملكة نادي الدول المطبعة مع إسرائيل، رغم تمنيات ترامب، لأنها تتمسّك في مطلب حل الدولتين، ولكنّها لن تنتظر ممارسة تل أبيب سياسة المطرقة لضرب الأنظمة بتعاون عربي، لهذا تتجه إلى فرملة المشروع التقسيمي عبر اتباعها سياسة المناورة مع الإدارة الأميركية، والعصا الغليظة مع من يسير على خطى تل أبيب، فهل ستنجح الحلف حيث فشل محور إيران؟