د. محمد دوغان
ما يجري اليوم لم يعد قابلًا للتأويل أو التخفيف اللغوي. الولايات المتحدة وإسرائيل انتقلتا فعليًا من سياسة إدارة الصراعات إلى سياسة كسر الأنظمة، خارج أي التزام بالقانون الدولي أو بشرعية المؤسسات الأممية. ما حدث في فنزويلا، حيث جرى اعتقال رئيس دولة ذات سيادة بالقوة، ليس حادثًا معزولًا، بل إعلان صريح بأن من يخرج عن الطاعة الأميركية يصبح هدفًا مشروعًا، مهما كانت صفته أو موقعه. السيادة سقطت، والشرعية باتت تُصاغ في غرف القرار لا في مجلس الأمن.
في هذا السياق، تأتي التظاهرات في إيران لتؤدي وظيفة سياسية محددة، لا علاقة لها لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان. حين تعلن إسرائيل صراحة دعمها لهذه التحركات، فإنها تنزع عنها أي طابع داخلي، وتحوّلها إلى أداة حرب غير عسكرية في مشروع إسقاط النظام أو إنهاكه تمهيدًا لضربه. ما يُراد لإيران اليوم ليس الإصلاح ولا التغيير التدريجي، بل إدخالها في حالة تفكك داخلي تُفقدها القدرة على إدارة صراعها الإقليمي، قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة المباشرة إذا اقتضت الحاجة.
ان التهديدات الإسرائيلية بضرب إيران ليست تهويلًا إعلاميًا، بل جزء من عقيدة هجومية جديدة تقوم على استغلال لحظة دولية ملائمة: غياب أي رادع دولي فعلي، انكفاء روسي محسوب، وتغطية أميركية كاملة. إسرائيل لا تبحث عن حرب شاملة، لكنها مستعدة لها، وتعمل على تفكيك ساحات الردع واحدة تلو الأخرى، من الداخل الإيراني إلى أطراف المحور.
لبنان، في هذا المشهد، ليس خارج الاستهداف بل في صلبه. فحزب الله يُنظر إليه باعتباره العقدة الأخيرة في منظومة النفوذ الإيراني، وكسر هذه العقدة لا يكون إلا عبر لبنان. الضغوط الاقتصادية، الشروط السياسية، الابتزاز المالي، والتلويح بالحرب، كلها أدوات تُستخدم لدفع البلد إلى خيارين لا ثالث لهما: إما مواجهة مدمّرة يُدفع إليها الحزب فتُستنزف قوته ويُحرق معها لبنان، أو تفكيك تدريجي لدوره تحت عنوان إنقاذ الدولة، فيما الدولة نفسها تُترك بلا مقومات فعلية.
الخطير أن الدولة اللبنانية تُستعمل هنا كغطاء أخلاقي وسياسي لفرض معادلة مستحيلة: تحميلها مسؤولية قرار لا تملكه، ثم معاقبتها على عجزها. المساعدات مشروطة، الاستقرار مؤجل، والسيادة تُطرح كورقة ضغط لا كحق وطني. المطلوب عمليًا هو إخضاع لبنان ليكون الحلقة الأضعف التي تُكسر فيها المعادلة الإقليمية.
نحن أمام مرحلة لا تشبه ما سبقها، لا تسويات، لا حلول وسط، ولا خطوط حمر. المنطقة تدخل زمن فرض الوقائع بالقوة، ومن لا يُكسر من الداخل يُستهدف من الخارج. وفي هذا الزمن، يصبح الصمت تواطؤًا، والحياد وهمًا، وانتظار التسويات الدولية انتحارًا سياسيًا.
لبنان اليوم أمام لحظة مصيرية: إما أن يُدرك أنه يُستخدم كساحة في حرب أكبر منه، أو أن يستيقظ متأخرًا ليكتشف أنه دُفع مرة أخرى إلى قلب العاصفة، بلا حماية وبلا قرار.