عباس المعلم
لم يعد الحديث عن «أنفاق حزب الله» مجرّد تقارير إعلامية عابرة، بل تحوّل إلى عنصر مركزي في بنية الخطاب الأمني الإسرائيلي، يُعاد إنتاجه دورياً عبر مراكز بحثية ذات صلة مباشرة بالمؤسسة العسكرية والاستخباراتية، وفي مقدّمها ما يُعرف بـ«معهد ألما»، الذي تديره ضابطة الاستخبارات الإسرائيلية السابقة سارِيت زهافي، والذي يُسوّق نفسه كمنصة «بحثية»، فيما يتصرف عملياً كغرفة عمليات إعلامية موازية.
وفق ما ورد في تقارير صادرة عن هذا المعهد، يُروَّج لوجود شبكة أنفاق ممتدة بطول يصل إلى خمسة وأربعين كيلومتراً في جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة إقليم التفاح، باعتبارها بنية تحتية استراتيجية تربط بين الجنوب والبقاع وبيروت، وتصل بين مراكز القيادة والتموين والمواقع الدفاعية الأمامية. هذه السردية لا تُقدَّم بوصفها تقريراً تقنياً، بل كخريطة تهديد متكاملة تهدف إلى إعادة توصيف الجغرافيا اللبنانية باعتبارها «منصة حرب كامنة» قابلة للتفجير في أي لحظة.
القراءة الاستراتيجية لهذه الرواية تكشف أنها تتجاوز البُعد الأمني التقني لتدخل في إطار «الحرب النفسية السياسية». فالتضخيم المنهجي لفكرة الأنفاق لا يُقصد به فقط توصيف الواقع الميداني، بل خلق ذريعة متدرجة للضغط على الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الجيش اللبناني، لدفعه نحو التورّط في عمليات تفتيش واقتحام للمناطق التي يُزعم وجود هذه الشبكات فيها، ما يفتح الباب عملياً أمام فرض مسار قسري لنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية شمال الليطاني وصولاً إلى العمق اللبناني.
الأخطر من ذلك أن مصدر السردية ليس إعلاماً عادياً، بل مركزاً بحثياً يُدار بعقل استخباراتي صرف، ما يمنح هذه المزاعم غطاءً «شبه أكاديمي» يُستخدم سياسياً وإعلامياً لتأمين شرعية مسبقة لأي تصعيد عسكري إسرائيلي. فحين تُبنى الرواية على «دراسات» و«خرائط» و«تقارير تحليلية»، يصبح القصف لاحقاً مُقدَّماً للعالم بوصفه «إجراءً دفاعياً استباقياً»، لا عدواناً مكشوفاً.
وفي البُعد العسكري الصرف، فإن الادّعاء بوجود شبكة أنفاق مترابطة بهذا الحجم، إذا ما افترضنا صحته نظرياً، يطرح إشكالية عملياتية عالية التعقيد. فتدمير مثل هذه البنية لا يمكن أن يتم بضربات جوية محدودة أو عمليات موضعية، بل يتطلب اجتياحاً برياً واسع النطاق، أو إنزالات جوية ضخمة في مناطق متعددة ومتباعدة، تحت غطاء جوي كثيف، ومشاركة آلاف الجنود في بيئة قتالية شديدة التعقيد. وبالمفهوم العسكري البحت، فإن مثل هذا السيناريو لا يمثل خياراً عملياً إلّا إذا كانت القيادة الإسرائيلية مستعدة لمغامرة قد تتحول إلى استنزاف استراتيجي وخسائر بشرية غير مسبوقة، شبيهة بانتحار عسكري بطيء.
من هنا، يمكن فهم أن معركة «الأنفاق» ليست معركة أنفاق فعلية بقدر ما هي معركة سردية، يُراد لها أن تسبق المعركة العسكرية، وأن تُمهّد لها سياسياً وإعلامياً ونفسياً. إنها هندسة ميدان ذهني قبل أن تكون هندسة ميدان قتالي، حيث تُرسم الخرائط في العقول قبل أن تُرسم على الأرض.
ما يجري فعلياً هو محاولة لفرض معادلة جديدة: شيطنة الجغرافيا اللبنانية بالكامل، وتحويلها إلى بنية تهديد قائمة بذاتها، بما يسهّل لاحقاً نقل المعركة من حدود الجنوب إلى عمق الدولة. ليست أنفاقاً فقط... بل تمهيدٌ ذهني لإلغاء الهامش بين الحرب واللا حرب، وبين السيادة والاستهداف.
في المحصلة، لا تبدو قضية «أنفاق الجنوب» سوى حلقة في استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم حدود الردع في لبنان عبر تحويل الجغرافيا إلى تهمة، والبنية التحتية إلى ذريعة، والدولة إلى أداة ضغط على نفسها. وبين واقع ميداني شديد التعقيد وسردية استخباراتية مصقولة بعناية، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً: هل تسعى إسرائيل فعلاً إلى خوض حرب الأنفاق، أم أنها تبني طبقات من المبررات لحرب أكبر لم يُحدَّد توقيتها بعد... لكن ملامحها باتت تُكتب سطراً سطراً..
الأخطر أن هذه الحرب لا تبدأ بالصواريخ، بل باللغة. فحين تتكرّس رواية «الشبكة العملاقة» في الإعلام العالمي، يصبح أي قصف لاحق «استباقياً»، وأي مجزرة «إجراءً وقائياً»، وأي اجتياح «حقاً مشروعاً في الدفاع». هذه تعتبر هندسة قانونية إعلامية للعدوان قبل تنفيذه، تُغسل فيها المصطلحات ويُعاد تعريف الضحية والمعتدي..
إن أخطر ما في رواية الأنفاق ليس احتمال صدقها أو كذبها، بل توقيتها ووظيفتها. فهي ليست وصفاً لواقع، بل تمهيداً لقرار. قرار يُصاغ في الظل، ويُختبر في الإعلام، ويُعتمد عند أول لحظة إقليمية مناسبة. وبينما ينشغل كثيرون بالنقاش حول «هل الأنفاق موجودة؟»، يكون السؤال الحقيقي هو: متى تقرّر إسرائيل أن تجعل هذه الرواية ساعة الصفر... لا مجرد تقرير؟..
* كاتب سياسي