بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 تشرين الثاني 2025 12:00ص إستقلال لبنان - 2025

حجم الخط
أيام قليلة ويطلّ على لبنان واللبنانيين، عيد الإستقلال. يتذكّر المواطنون أحوالهم، كيف كانوا وإلام صاروا. كانت الجمهورية في أوجّ عزّها، وكانت إدارات الدولة وجميع مؤسساتها، في أوجّ تألّقها، وكانت السلطات الرسمية منبسطة في كافة المناطق والأرجاء، وكان كل من يحمل السلاح، يعتبر خارجا عن القانون، ويساق مخفورا إلى أقواس العدالة والزنازين.
البلاد كلها مفتوحة على بعضها. ليس هناك على أرض الجمهورية، مخيمات، وليس فوق رأس أحد، أيا كان، خيمة، ولا فوق رأس زعيم أو طائفة.
كانت ساحات وأسواق المدن العواصم في البلاد، ملتقى الجميع، في بيروت وطرابلس وصيدا وصور. وكانت الأعياد الوطنية، تلقى الإقبال المدهش، وتقام لها الاحتفالات العامرة، وتنتظم فيها الحشود.
كان العلم اللبناني وحده الذي يرفع على الساريات، والذي يحمله الصغار والكبار في الاحتفالات. وكانت الطوائف اللبنانية جميعا، على قلب واحد، وعلى إرادة واحدة: إعمار البلاد وصون الإستقلال. وكانت المواسم الإنتخابية، مناسبة لعرض البرامج الإصلاحية والتقديمات الإجتماعية وإعلان النوايا التي تنادي بالحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة كل من تخوّله نفسه الاعتداء على الحرمات: ترابا وكرامة وإيذاء. ومسّا، بكل ما يمكن إعتباره مسّا بالمصالح العليا و الكبرى للبلاد.
كانت المصائف تشتعل حفلات وأعراسا وزائرين وسواحا، وكذا جميع المنتجعات. فالفنادق ممتلئة بالوافدين إلى لبنان، وبالنازلين من الجبل والقادمين من السهل. وكانت المقاهي العامة في بيروت، كما في كبريات المدن، مجمع القادة والزعماء.
كانت جميع مرافق النقل في أعلى درجات النشاط والحيوية: القطار والأوتوماتريس، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، فلا مناطق بعيدة، ولا مسافات متباينة، حتى الطروش، كانت تنزل في فصل الشتاء، إلى ضواحي العاصمة وسائر المدن، للرعي والإتقاء من العواصف والثلوج.
كان مرفأ بيروت في أوجّ إزدهاره. وكذلك سائر المرافئ في جميع المدن الساحلية. تستقبل السفن من جميع أنحاء المعمورة، وتسهّل خدمات النقل والسفر للأهالي. كانت المرافئ اللبنانية حقا، قبلة أنظار المسافرين والتجار.
كانت المدارس الرسمية تتراقص في حاللها، يحتشد فيها أبناء الطبقات كلهم، وأبناء الطوائف كلهم، ويحتشد فيها البنون والبنات. تقدم النموذج الصالح في التربية والتعليم والتوجيه الوطني، حتى باتت قدوة لجميع المدارس في الإقليم. وكذا كانت الجامعة اللبنانية، وخصوصا منها، كلية التربية وكلية الحقوق وكلية العلوم. ففي أبهاء ومدرجات هذه الكليات، تخرّجت النخب العلمية والثقافية والأدبية... وهيهات أن تعود... هيهات... صارت الفروع الجامعية تفرّخ تفريخا، ويعتاش من يعتاش من تزوير الشهادات.
ما تحدثت بعد، عن معامل الكهرباء الكهرومائية، والتي كانت تنير لبنان من أقصاه إلى أقصاه. ولا عن المشاريع المائية وشبكاتها، التي كانت تصب مائها في بيوت اللبنانيين، وتروي مشاريعهم الزراعية. ما تحدثت بعد عن السدود التي أقيمت في جميع المناطق، لتوفير الماء والطاقة لجميع المواطنين بالعدالة وبالمساواة. ما تحدثت بعد عن المستشفيات والمستوصفات الحكومية.. ولا عن المطابع ودور الصحافة والنشر. ما تحدثت بعد دور السينما وعن صالات العرض، وعن الحريات العامة والخاصة، التي كانت شديدة الرعاية من قبل السلطات.
أذكر أيضا بإنجاز البلديات في العهد الأول من الإستقلال. كانت النظافة البلدية مضرب الأمثال، وكذا الرعاية الصحية. فقد نشأت المختبرات وأشرفت على كل ما يعرض في الأسواق، من طعام وشراب. فأين المختبر المركزي في بيروت اليوم؟ وأين وسائل النقل العامة؟ بل أين هي نظافة المدن، مما كانت عليه، في مبتدأ عهد الإستقلال؟ بل أين التقديمات الإجتماعية. وكذلك مشاريع الحفاظ على البيئة والمشاعات والأحراج؟
كانت القصور الرئاسية في لبنان، في أعظم تألّقها ومجدها. كانت لها الكلمة الأولى، وكانت لها الباع الطولى. وها هي بعد ثلاثة أرباع القرن، تعود القهقرى إلى الوراء. كانت المحاكم وقصور العدل، تروّع المجرمين والخارجين عن القانون، مهما علا شأنهم. وكانت دور العبادة في الحفظ والصون، تعرف حدّها وتقف عنده، ولا تتدخل في تعيينات النواطير مثلا، ومأموري الأحراش، ولا تجرؤ على مساندة المواطنين الخارجين على الدولة وعلى القوانين العامة، ولا على كرامة وشرف التراب الوطني والعلم اللبناني.
فتبّاً لهذه الأجيال التي تعاقبت على السرقات، حتى سرقت الماء والتراب والهوية الوطنية. ولم ترعوِ ولم تتورّع عن بيعها للأنذال وللأعداء. فقد توالت على لبنان عهود الإستقلال، جيلا بعد جيل، واللصوص والسراق والمأجورون والعملاء، وكذا الطائفيون وأنذال الطبقات في الصفوف المتقدمة، في صالات الإحتفالات، يمعنون في إيذاء الجمهورية، وفي تعرية الدولة من لباسها الرسمي، حتى عدنا إلى العصور الحجرية.
السّراق واللصوص، على مشارف الإستقلال 2025، لا يتورعون عن سرقة المغاور، بعد سرقة الوطن بكل ما فيه من ثروات. لبنان في عيد الاستقلال 2025، لم يتبقَّ له من سبيل، بعدما عمّت به أعمال النهب والسلب والمصادرة، طوال العقود والعهود الماضية والحاضرة، من جميع الجهات ومن جميع الفئات ومن جميع القيادات، ولم يعد أمامنا، إلّا رفع الشكاية للّه... لأن الشكاية إلى غير الله، صارت عندنا من المذلات!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية