بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 نيسان 2026 12:00ص إعدام الأبنية

حجم الخط
هدم المدن والقرى، بات إستراتيجية إسرائيل في حربها على لبنان. تريد أن تتخذ من الخط الأصفر، الذي فرضته بالقوة، نفسها بنفسها، وبساعد من غيرها، حدودا جديدة وقائية. تبادر إلى هدم البيوت وتجريفها، حتى تصير مساحة خالية، بل مساحة محايدة.
اللبنانيون يتأججون غضبا، وهم يرون بيوتهم ومساكنهم التي ينتظرون العودة إليها بفارغ الصبر، وقد أكلتها النيران. وما تبقّى واقفا، حمل على جرافة وكب على الذقن كبا، وحمل بالشاحنات إلى الوديان والجنائن الخضراء، حجارة غشيمة وأتربة.
تعرف إسرائيل أن اللبنانيين أكثر ما يؤذيهم، أو أكثر ما يؤلمهم، هو مشهد إعدام منازلهم المهدّمة، ولهذا تأتي بالجرافات وبآلات الهدم، وبالمقاولين المختصين، للإمعان في التجريف، بكل عنجهية، أمام عدسات التصوير، وتصنع من ذلك أفلاما «هوليودية» مسجلة.
هدف إسرائيل الأساسي، هو تأجيج النفوس وإثارة مشاعر الغضب، ولذلك نراها تتفنن في التصوير، تنتقل بذلك من مشهد إلى مشهد، تختار المشاهد الأكثر إيلاما، والأكثر قساوة، تصوّر التفجير للمنازل، ثم تصوّر الدخان المتصاعد، ثم تصوّر إعمال الجرافات، في إعدام الأبنية من أساسها، وجعلها كومة من الركام، لتُحمل وتُرمى في مقابر الأبنية، وتصوّر المقاولين، وكأنهم، يؤسسون، لا يجرفون، وهذا منتهى الهزأة العنصرية.
كل يوم تزداد أعمال التجريف، وكأن الحرب الإسرائيلية على لبنان صارت هنا، بدأت بتخفيف النيران على الجبهات، لتنصرف إلى تسوية جميع الأبنية في الأرض، بلا إستثناء، ثم تقوم بتنظيف أرض الجريمة، لئلا تترك ورائها شاهدا على جريمتها.
تمحو إسرائيل الكروم، تقتلع شجر الزيتون وتطمر الحفر الدهرية، وتحمل ما أعدمت، على البلاطات، وتسلّمها لوزارة الزراعة عندها، وتلاحق أصحاب الكروم، وأصحاب الأبنية بالمسيّرات، لتقتلهم، تخيّرهم بين الموت أو الهروب، أو تعتقلهم للتوقيع على عدم العودة.
لا شيء في سماء البلدات والقرى، سوى الغبار والدخان، توقفت المواجهات، أخذت إجازة قسرية، للإمساك بأعناق الأبنية وإباداتها إبادة جماعية، تحت أعين العالم أجمع، دون أن يرفّ جفن لأحد، ودون أن يجرؤ أحد منا ومن غيرنا، على المنادة على الإبادة الجامعية، وعلى الإعدامات بالجملة. فالأمم المتحدة، لا زالت تتحدث عن راوندا، وتتعامى عما يجري عندنا.
تُساق قرى بأكملها، بعد إعدامها، إلى المقابر الجماعية في أودية خصّصت لها، ولا أحد يسأل ولا يسائل بعد موت الضمير وموت الأخلاق وموت القوانين والاتفاقات الأممية والإنسانية. فأي مشهد همجي، هو ما نراه على الشاشات، حين تمعن الآلات والمقصلات، بإعدام الخيام، وميس الجبل، والعديسة وبنت جبيل، وشمع... وغيرها وغيرها...؟!
صيحة من الأعماق، هي صيحة المخنوقين من أهالي هذه البلدات وهذي القرى... يرون أمام أعينهم، كيف تُذبح بلداتهم. كيف تُعدم كروم التين والزيتون.. كيف تُعدم منازلهم وحدائقهم، وملاعب أطفالهم. كيف تُعدم أرجوحة الأطفال، والساقية تحت القبو، كيف تعدم شجرة الدار، مؤنسة القمر...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية