شكلت الصدمة الأميركية التي تلقاها لبنان بإلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، جرس إنذار للمسؤولين من تداعيات هذه الخطوة غير المسبوقة من جانب واشنطن، وهي التي كانت دائماً تتباهى بالعلاقات الوثيقة التي تجمع الجيشين الأميركي واللبناني . ويخشى أن يكون القرار الأميركي المفاجىء الذي استهدف المؤسسة العسكرية ورأسها، بمثابة رسالة لإسرائيل لتوسيع نطاق عدوانها على لبنان في المرحلة المقبلة، في وقت تتزامن الانتقادات الأميركية والإسرائيلية في آن، للجيش اللبناني واتهامه بأنه يتلكأ في تنفيذ خطة حصرية السلاح التي أقرتها الحكومة اللبنانية في آب الماضي . وليس من قبيل المصادفة، أن يأتي هذا القرار الأميركي، بعد سلسلة الحملات العنيفة التي قادها الموفد الأميركي توم براك ضد لبنان ومسؤوليه، لا بل أنه اتهم الجيش بالتقصير في تنفيذ مهمته جنوب نهر الليطاني، وفي ما طلبته الحكومة منه على صعيد حصرية السلاح . وهذا الكلام المتمادي، وما أعقبه من تحول نوعي في تعامل واشنطن مع المؤسسة العسكرية، من خلال إلغاء زيارة العماد هيكل، إنما يثير قلقاً جدياً من أن تكون الإدارة الأميركية بصدد اتخاذ إجراءات جديدة تستهدف الجيش، ووقف تقديم برامج الدعم والمساعدة المقررة سنوياً . وقد علم "موقع اللواء"، أن لبنان بدأ اتصالات دبلوماسية للوقوف على خلفيات الخطوة الأميركية المفاجئة، والبحث في تطويق تداعياتها المتوقعة في أكثر من اتجاه .
وفيما تؤكد المعطيات المتوافرة، بأن هناك سلوكاً أميركياً جديداً تجاه لبنان برزت مؤشراته جلية في استهداف قائد الجيش اللبناني، بعد تصعيد براك، ما يزيد من ضبابية رؤية واشنطن تجاه لبنان، في ظل توقع اتخاذ جملة تدابير سيتم اللجوء إليها من جانب واشنطن في المرحلة المقبلة، في إطار الخطوات الأميركية الهادفة إلى الضغط من أجل وقف عمليات إرسال الأموال إلى "حزب الله" والمنظمات غير الشرعية الأخرى . وقد بدا بوضوح أن الإجراءات التي تقوم بها واشنطن وعواصم غربية أخرى، إنما تهدف إلى تطويق "الحزب" مالياً لشل قدرته، توازياً مع بدء مصرف لبنان في تنفيذ الشروط الأميركية التي تصب في هذا الإطار، وتزامناً مع اشتداد حملة "الحزب" على البنك المركزي وحاكمه كريم سعيد، نتيجة ما تم اتخاذه من إجراءات على هذا الصعيد، والتي تشير المعلومات إلى أنها ستستمر، وتأخذ أشكالاً متعددة .
وسط هذه الأجواء، وعلى أهمية زيارة الوفد الاقتصادي السعودي الذي ترأسه مسؤول الملف اللبناني في دوائر القرار السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، حيث شارك إلى جانب وفود من دول خليجية أخرى، في مؤتمر "بيروت 1"، والذي بحث في فرص استقطاب الاستثمارات الخليجية إلى لبنان. ورغم أن المشاركة الخليجية كانت بمثابة رسالة دعم للبنان وللعهد والحكومة، في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها البلد، وفي إطار الجهود العربية والخليجية الرامية لإخراجه من أزماته . لكن ما تم رصده نقلاً عن أجواء الوفود الخليجية المشاركة ، يؤكد أن ظروف لبنان الراهنة ليست مهيأة بعد، لعودة الاستثمارات السعودية والخليجية، في ظل استمرار المعاناة الداخلية من وطأة السلاح غير الشرعي . وإذا كانت مناخات الاستثمارات في لبنان دائماً مشجعة للمستثمرين الخليجيين والعرب، لكنها اليوم لا تبدو مؤاتية كثيراً، بالنظر إلى أن هناك جملة أمور لم تتحقق بعد في لبنان، وفي مقدمها موضوع حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، باعتبار أن المستثمرين الخليجيين وغيرهم، لن يكونوا مستعدين لتوظيف أموالهم في لبنان، طالما أن السلاح لا يزال بأيدي جماعات لبنانية، وهذا يفرض أن تكون هناك جهود حثيثة من جانب السلطات اللبنانية، للالتزام بما سبق وتعهدت به على صعيد سحب السلاح، وتسلم الجيش اللبناني زمام الأمور في جميع المناطق اللبنانية دون استثناء، التزاماً بقرارات الحكومة ذات الصلة .
وإذ تقدر دول مجلس التعاون الخليجي جهود العهد والحكومية اللبنانية، لتثبيت ركائز المؤسسات وتقوية دور الموسسات على حساب دويلات الطوائف، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هناك الكثير الذي يجب فعله، على صعيد تعزيز حضور الدولة، وتحديداً على الصعيد الأمني، لإشاعة أجواء الاستقرار بالنسبة للمستثمر العربي والأجنبي . وطالما أن هناك قوى مسلحة لا زالت تشكل تحدياً للسلطة الشرعية والجيش اللبناني، فإن أجواء الاستثمار في لبنان لازالت ضبابية، ولا تشجع على العودة الخليجية إلى بيروت، رغم الاستعداد الدائم من جانب دول مجلس التعاون، لتوسيع مجالات الاستثمار في لبنان، والمساعدة في نهوضه وإعادة إعماره . وهذا ما يفرض على حكومة لبنان أن تبذل المزيد من العمل، لخلق مناخات مؤاتية تساعد الخليجيين والعرب على العودة الواسعة إلى لبنان في أقرب فرصة . وعلى أهمية تعهد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ب"ألا يستخدم لبنان منصّة لزعزعة امن أشقاءه العرب او ان يكون معبراً لتهريب المخدرات او اية ممنوعات"، فإن المرحلة الحالية ما زالت ضبابية، في ظل الأوضاع غير المستقرة الذي يمر بها لبنان، بانتظار ما ستحمله المرحلة المقبلة من تطورات، مع الاستعداد الدائم من جانب الدول الخليجية للوقوف إلى جانب لبنان وشعبه. وهو التزام لن تحيد عنه في المرحلة المقبلة.