قبل أن يجف حبر البيان المشترك الذي أصدرته الخارجية الأميركية حول نتيجة مفاوضات يومي الثلاثاء والأربعاء بين وفود لبنان والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي، ارتكب هذا الكيان بعد الاجتماع مباشرة أكثر من جريمة بحق المدنيين في الجنوب، مع ان الجانب الأميركي أكد في بيان الخارجية تثبيت وقف اطلاق النار، فالتزم به حزب الله ليلاً ولم نسمع عن أي عملية عسكرية حتى حصول الغارات اليوم والرد عليها لكن بشكل محصور على مواقع الاحتلال وتجمعات جنوده في مناطق الجنوب المحتلة.
هذا التفلّت الإسرائيلي يستوجب قراءة متأنّية للبيان اسوة بما حصل في البيانات السابقة التي تلت اجتماعات الوفود الدبلوماسية والعسكرية، والتي لم يحصل منها لبنان عملياً على أي مكسب، بل تمّت إضاعة الوقت ولم يحصل الضغط الأميركي المطلوب على كيان الاحتلال لوقف عدوانه على الجنوب واستهداف المدنيين والمسعفين والمستشفيات والأطقم الطبية. ولعلّ تصاريح وزيري الدفاع كاتس والأمن القومي بن غفير في كيان الاحتلال أمس، تؤكد انه لن يلتزم بأي اتفاق وانه مستمر بعدوانه، حتى ان القرار الذي صدر عن المجتمعين يوم الأربعاء وفيه «الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية (Pilot Zones) تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد أي جهة مسلحة غير تابعة للدولة ومن شأن هذه الخطوات أن تتيح إحراز تقدّم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن»، لم يحدد مهلة زمنية للبدء بالانسحابات الإسرائيلية المرحلية المتتالية ولا آلية تطبيق وقف اطلاق النار ولا من سيتولاه، برغم وجود تسريبات إعلامية عن تشكيل لجنة متابعة ميدانية لم يأتِ البيان على ذكرها.
وربما كانت الاستفادة الوحيدة للبنان من جولات التفاوض هي فكرة الانسحاب الإسرائيلي المتتالي والمتدرج من مناطق الجنوب ليحلّ محلها الجيش اللبناني، لكن لم يتضح وفق أي جدول زمني، وكم ستستغرق مدة الانسحابات، ومن أين تبدأ، وهل ستكون شاملة كل النقاط والأراضي اللبنانية المحتلة. أم انسحابات جزئية يحتفظ فيها الاحتلال ببعض النقاط الحاكمة كما حصل بعد اتفاق تشرين الثاني 2024؟
وكانت المفاجأة أمس في انسحاب العدو من بلدة دبين ودخول الجيش اللبناني إليها، خلافا لإقتراح لبنان الذي أعلنه الرئيس جوزاف عون أن يبدأ الانسحاب من قلعة الشقيف ويحمر وزوطر بفرعيها. وهي مناطق أعلن العدو انه لن ينسحب منها حالياً ولا أحد يعلم كيف سيساوم عليها نظراً لأنها مناطق استراتيجية مهمة وحسّاسة وتقع عند مجرى نهر الليطاني مباشرة.
وحسب البيان «واتفق الطرفان على استئناف المسارين السياسي والأمني خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل. كما وافقت الولايات المتحدة على مواصلة تسهيل التواصل بين الطرفين خلال الفترة الانتقالية»، وهذا يعني استمرار عمليات جيش الاحتلال في كل مناطق الجنوب حتى ما بعد 22 حزيران، ويعني أيضا ردودا من المقاومة، ولا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه الأعمال العسكرية من توسّع وتفّلت قد يتجاوز محاور القتال. ولا سيما أن الأميركي أعطى الإسرائيلي مجدّداً حرية الحركة في استهداف ما وصفه «أي تهديد» حتى في بيروت وضواحيها، وهو الأمر الذي حصل على طريق خلدة الناعمة خلال انعقاد اجتماع واشنطن. ولو ان الأميركي» سيحدد موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، الذي قد يبدأ بعد 24 ساعة من إبلاغه بالموافقة وتقديم الضمانات اللازمة، فيما سيكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضامن المباشر للتنفيذ»، كما قال الرئيس عون أمس.
والملفت للإنتباه في البيان أيضا ما جاء فيه بفقرتين عن فصل مسار الحل في لبنان عن مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، لكن إصرار إيران أكثر من مرة في مواقف مسؤوليها وفي اتصال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف برئيس المجلس النيابي نبيه بري، ما زالت مصرّة على عدم فصل مسارات الحلول، وعلقت مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية ربطا بمطلبها ان يشمل الحل كل الساحات بما فيها لبنان. وعليه بقيت الأمور معلقة عملياً نتيجة العبارات الفضفاضة في بيان الخارجية الأميركية.
ولعلّ ما جاء في البيان عن «تأكيد إسرائيل مجدداً أن أمنها واحترام سلامة أراضيها لا يمكن تحقيقهما، إلّا من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في مختلف أنحاء لبنان». وهو أمر يدرك الجانبان الأميركي والإسرائيلي انه لا ولن يتحقق بسهولة، طالما هناك أراضٍ لبنانية محتلة، وطالما ان العدو لم يلتزم بأي اتفاق لوقف القتال، مع ان بعض المعلومات أفادت ان حزب الله سيلتزم بالانسحاب من منطقة جنوب نهر الليطاني كاملة بعد الانسحاب الإسرائيلي، وان موضوع سلاحه شمالي نهر الليطاني خاضع لحوار لبناني داخلي لا علاقة لإسرائيل به.