بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 كانون الثاني 2026 12:00ص الأمان أمام القضاء... طريق إلى الاستقرار والسلام المجتمعي!

حجم الخط
القاضي م. جمال الحلو

حين يشعر الإنسان بالأمان أمام القضاء، يشعر أن له وطناً يحميه، ومرجعاً يُنصفه، وسقفاً يظلّه عند النزاع.
فالأمان القضائي ليس امتيازاً لفئة، ولا سلاحاً بيد الأقوى، بل هو حقٌّ عام، يُفترض أن يطمئن إليه الضعيف قبل القوي، والمظلوم قبل الظالم.
القضاء وُجد ليكون البديل الحضاري عن الانتقام، وعن الفوضى، وعن أخذ الحق باليد.
وحين نلجأ إليه، لا نُضعف أنفسنا، بل نُقوّي المجتمع؛ لأن العدالة، حين تُمارَس ضمن المؤسسات، تمنع تحوّل الخلافات الفردية إلى صراعات عامة، وتمنع الظلم من أن يولّد حقداً، والحقد من أن يولّد عنفاً.
الثقة بالقضاء لا تعني الادّعاء بكماله، فالكمال للّه وحده، لكنها تعني الإيمان بأن إصلاح الخطأ يكون من داخله لا بهدمه، وأن اللجوء إليه هو الطريق الآمن لحلّ النزاعات، وحفظ الحقوق، وصون الكرامات.

الاستقرار... سلام مع النفس ومع الآخر:

الاستقرار الحقيقي لا يبدأ في الشارع، بل في الداخل.
فسلام الإنسان مع نفسه ينعكس تلقائياً سلاماً مع غيره.
ومن يعرف حدوده، ويصالح أخطائه، ويضبط انفعالاته، يكون أقدر على الحوار، وأبعد عن العنف، وأقرب إلى العدل.
أما السلام مع الآخر، فلا يعني التطابق معه، بل قبول الاختلاف دون عداء، واحترام التنوّع دون خوف.
والمجتمع المستقر هو ذاك الذي تُحلّ خلافاته بالكلمة والقانون، لا بالصوت العالي ولا بالقوة.

السلوك الفردي... حجر الأساس في السلوك الاجتماعي:

كل تصرّف فردي، مهما بدا صغيراً، يترك أثراً.
فالصدق يولّد ثقة، والعدل يولّد طمأنينة، والاحترام يولّد احتراماً متبادلاً.
كما أن العنف يولّد عنفاً، والاستهزاء يولّد كراهية، والتعدّي يفتح باب الفوضى.
المجتمع ليس كياناً منفصلاً عن أفراده؛ بل هو مرآتهم الجامعة.
فإن صلح الفرد، قوي النسيج الاجتماعي، وإن فسد السلوك الفردي، تسرّبت العدوى إلى الجماعة كلها، سلباً أو إيجاباً.

مرحلة خطرة... وبوصلة تحتاج إلى تصويب:

نعم، يمرّ مجتمعنا بمرحلة دقيقة، تتكاثر فيها المخاوف، وتضعف الثقة، ويعلو فيها صوت الغضب.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة الأزمات، بل في فقدان القيم التي تضبط التعامل معها.
نحتاج اليوم إلى إعادة تذكير أنفسنا بأن المحبة ليست ضعفاً، وأن الرحمة ليست تهاوناً، وأن التسامح ليس تنازلاً عن الحق، بل هو أعلى درجات القوة الأخلاقية.
ونحتاج إلى مساعدة بعضنا البعض مساعدة إيجابية، لا فضولاً ولا تدخّلاً، وإلى أن نكون جزءاً من الحل، لا وقوداً للأزمة.

كلمة أخيرة:

حين نثق بالقضاء، نمنح المجتمع فرصة للشفاء.
وحين نُصلح أنفسنا، نُصلح جزءاً من الوطن.
وحين نختار الرحمة بدل القسوة، والحوار بدل الصدام، نكون قد وضعنا حجراً جديداً في بناء السلام.
فالمجتمعات لا تُنقَذ بالشعارات، بل بالسلوك، ولا تُستعاد الثقة إلّا حين يشعر كل فرد أن العدالة ممكنة، وأن الخير ما زال خياراً.