بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 كانون الثاني 2026 12:05ص الأمم الإفريقية

حجم الخط
يستحيل أن نفهم نشوء العالم والدول التي أعمرته، والقارات التي ظهرت رواسيها فيه، من دون التوقف عند القارة الإفريقية، ومن دون أن نقرأ في كتابها، ومن دون أن نقرأ في كفّها.
هذه القارة المعجبة حقا، إنما هي أصل العالم الذي يدور حولنا، وندور حوله. هذه القارة هي الجذوة الأولى التي أشعلت الأرض، وهي الجذع الأولى التي أفرعت وأفرخت منها القارات الخمس، بكل شعوبها وقبائلها، وبمجمع حيوانها وطيرها، وبصفحات بحارها ومحيطاتها، وبكل ما يتفجر وما يجري فيها، من ينابيع وجداول وأنهار.
القارة الإفريقية، هي مبعث السؤال الأول إذن، بل مبعث جميع الأسئلة عن الأرض وعن ظهورها وتشققها وتكوّنها، وتكون جميع الأكوان فيها: الكون الأسيوي والكون الأوروبي والكون الأميركي، والكون الأوقياني. فهذه الأكوان كلها، إنما تفرّعت عن الشجرة الأم إفريقيا.
الصراع على إفريقيا، كان قد بدأ مبكرا، منذ العصور الوسطى وما قبلها، وسرعان ما إنتقمت فيلتها لنفسها، فسار هانيبال إلى جبال الألب وحملايا، عابرا المجاز الأوروبي إليها، وصارت أممها وشعوبها، في طريقها إلى الإستيطان في آسيا وأميركا وأوقيانيا. ولا نغالي، إذا ما قلنا: إن نسل العالم كله على الأرض، إنما يرجع إلى رحم أم واحدة، هي أفريقيا.
بعد الحربين العالميتين، استيقظت أميركا على الأمم الإفريقية، وصارت إلى تتبعها في جميع البلدان والأمصار والأوطان، تريد لأوروبا أن تغادرها على الفور، فالمعادن الثمينة فيها، والمناجم وجبال ووديان الذهب والفضة والعاج، قد فتحت شهيتها. وجدت الولايات المتحدة فيها سمرة الذهب والنحاس ولمعان الفضة والألمنيوم، ومقابل العاج، وحقول المعادن السائلة.
تخرج اليوم الولايات المتحدة في وساطتها بين مصر وأثيوبيا، لأجل الاتفاق على مساقط النيلين وسد النهضة، لأجل الاتفاق على البحيرات العليا، وعلى الثروات المائية. فقد صار الماء ينافس النفط في قيمته. وكان على الولايات المتحدة، ألا تكون بعيدة عنه، لا في غرينلاند ولا في الصومال ولا في السودان، ولا الألسكا، ولا تباعا، بين مصر و أثيوبيا.
الأمم الإفريقية كلها، تنتظر الرئيس ترامب، لأنه عازم غدا على توحيدها، فلا حاجة بعد اليوم لأوروبا، لا حاجة بعد اليوم لكل ما يقلقها. يأمر الرؤساء أن يتوحدّوا، فينصاعوا لأمره، ويأمر الأمم الإفريقية أن تجتمع معا، فيجمعها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوجّه دعوته العاطفية، لتنام أفريقيا على ذراعه المعدنية. أليست الولايات المتحدة الأميركية، هي أقوى دولة في العالم كما يصرّح ويقول، فلماذا لا تبيت ليلها على ذراعه وتطمئن إلى غدها؟...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية