عباس المعلم*
منذ اللحظة الأولى لدخول ما سُمّي باتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان والكيان الإسرائيلي حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، ثبت بالوقائع لا بالتحليل وحده أن هذا الاتفاق لم يكن في العقل العسكري والسياسي الإسرائيلي سوى غطاء تكتيكي لإدارة حرب منخفضة الوتيرة، لا لإنهائها. فالاتفاق الذي نصّ صراحة على انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة خلال مهلة ستين يوماً، تحوّل إلى أداة سياسية مفرغة من مضمونها، استُخدمت لإعادة إنتاج العدوان بأشكال أكثر خُبثاً ومرونة.
لم ينتظر الاحتلال أياماً أو أسابيع لخرق الاتفاق، بل داس عليه في ساعاته الأولى، حين أقدم على قتل مدنيين لبنانيين عادوا إلى بلداتهم الحدودية، في فعل مقصود يهدف إلى إسقاط أي وهم حول نياته، وتكريس معادلة مفادها أن الدم اللبناني مباح حتى تحت سقف الاتفاقات الدولية. ثم انتقل سريعاً إلى سياسة الأرض المحروقة عبر تفجير أحياء كاملة داخل القرى الحدودية، وتوسيع نطاق الاحتلال ليشمل قرى لم يكن متواجداً فيها قبل الاتفاق، في انقلاب فجّ على النص والالتزامات والضمانات.
١- ( العقيدة العملياتية: كسر التكيّف ومنع الاستنتاج)..؟
بعد أكثر من عام على هذا الاتفاق، لا يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي إلّا بوصفه تطبيقاً دقيقاً لعقيدة عسكرية قائمة على منع الخصم من تثبيت أي استنتاج عملياتي أو سياسي. جيش الاحتلال لم يعتمد نمطاً ثابتاً للعدوان، بل تعمّد التلاعب بمستواه ونوعيته وتوقيته ومساحته، في محاولة لحرمان لبنان، دولةً ومقاومة، من بناء ردود محسوبة أو قواعد اشتباك قابلة للتراكم.
في المرحلة الأولى، ركّز الاحتلال على التفجير المنهجي والتجريف الشامل للقرى الحدودية جنوب الليطاني، مترافقاً مع اغتيالات ميدانية لأبناء هذه القرى، في محاولة لفرض تهجير قسري مقنّع وخلق شريط أمني مدمّر من دون إعلان رسمي. وبعد 78 يوماً فقط على الاتفاق، انتقل إلى مرحلة أكثر عدوانية عبر احتلال خمس تلال استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، في سلوك يؤشر إلى نية واضحة بتعديل خطوط السيطرة الميدانية بالقوة.
٢- (توسيع مسرح العمليات وكسر المحظورات السياسية)
ولكي لا يُفسَّر هذا التصعيد على أنه محصور جغرافياً، وسّع الاحتلال دائرة الاغتيالات لتطال شمال الليطاني، ثم البقاع، وصولاً إلى طريق صيدا - بيروت، في مسعى واضح لإسقاط أي خطوط حمراء داخلية أو تفاهمات غير معلنة. ولمّا بدأ يتشكّل انطباع بأن الضاحية الجنوبية تشكّل سقفاً سياسياً وأمنياً، بادر الاحتلال إلى استهدافها، ثم نفّذ اغتيالاً مباشراً داخل شقة سكنية في عمقها بعد أسبوع واحد، قبل أن يعود مجدداً إلى نمط الغارات «المحدودة»، في لعبة تضليل عملياتية مدروسة.
هذا السلوك يعكس فهماً عسكرياً متقدماً يقوم على مبدأ ضرب منظومات التكيّف لدى الخصم، بحيث لا يُمنح الوقت الكافي لتحويل الخبرة إلى ردع. فكلما بدأت المقاومة بتكييف دفاعاتها واستجاباتها مع نمط عدواني معيّن، سارع الاحتلال إلى تغيير قواعد الاشتباك، وتوسيع الأهداف، ورفع وتيرة الاغتيالات، وإدخال التوغلات البرية المحدودة وتفجير المباني السكنية والتجارية داخل القرى الحدودية.
٣- (الحرب النفسية والعدوان المركّب)
لاحقاً، عاد الاحتلال إلى نمط الغارات الأسبوعية المحسوبة، قبل أن يعاود التصعيد عبر رفع عدد الاغتيالات إلى أكثر من ثلاث عمليات يومياً، وإدخال عنصر جديد بالغ الخطورة يتمثل في توجيه إنذارات مباشرة لسكان قرى لبنانية تمهيداً لاستهداف مبانٍ سكنية داخلها. هذه الأداة لا تنتمي فقط إلى القاموس العسكري، بل إلى منظومة حرب نفسية ممنهجة تهدف إلى تفكيك المجتمع، وكسر الإرادة الجماعية، وتحويل المدنيين إلى رهائن دائمة للقرار العسكري الإسرائيلي.
وفي الأسابيع الأخيرة، أسقط الاحتلال كل أنماط التدرج السابقة، عبر استهداف مبنى مكتظ بالمدنيين داخل مخيم عين الحلوة في صيدا، في خرق مركّب للسيادة اللبنانية ولخصوصية المخيمات الفلسطينية معاً، ثم أتبع ذلك بعملية اغتيال نوعية استهدفت رئيس أركان حزب لله وعدداً من معاونيه في عمق الضاحية الجنوبية، في رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الردع التكتيكي إلى محاولة فرض معادلة ردع معاكسة.
٤- (الخلاصة السياسية العسكرية:
إدارة الفوضى ومنع الاستقرار)
إن القصد الحقيقي من هذا العدوان ليس مجرد إبقاء وتيرة النار مشتعلة أو ممارسة أقصى الضغوط على لبنان، بل منع ولادة أي معادلة ردع مستقرة أو قواعد اشتباك واضحة. فالاحتلال يدرك أن أخطر ما يواجهه ليس الضربة العسكرية بحد ذاتها، بل تحوّل العدوان إلى نمط ثابت يمكن التنبؤ به، ومن ثم مواجهته وتحييده.
لذلك، يسعى إلى إبقاء عدوانه متحرّكاً، متقلّباً، وغير قابل للتأطير، بحيث يحتفظ بحرية الانتقال من مستوى إلى آخر، ومن ساحة إلى أخرى، ومن هدف عسكري إلى مدني، من دون أن يُفرض عليه ثمن سياسي أو استراتيجي رادع. هذه ليست سياسة رد فعل، بل استراتيجية مدروسة لإدارة الفوضى، وتعطيل الاستقرار، وتحويل لبنان إلى ساحة اختبار دائمة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية.
* كاتب سياسي