لو أرادت إسرائيل استهداف المنزل في يانوح
لفعلت، فهي لم تنتظر يوماً إذناً من أحد، ولم تُعرف يوماً بأنها تحتاج إلى لجنة أو
"ميكانيزم" كي تقصف بيتاً وتُسويه بالأرض.
منذ وقف إطلاق النار، والطيران الحربي
والمسيّرات لا تفارق سماء الجنوب، والبيوت تُستهدف أحياناً بلا إنذارات وبلا
تبريرات.
لذلك، فإن الإصرار الإسرائيلي على طلب تفتيش
الجيش اللبناني للمنزل قبل قصفه لا يمكن قراءته إلا في سياق واحد "صناعة فتنة
لا أكثر"، اضافة الى رسم مشهد مدروس بعناية في مختبر الفتنة الإسرائيلية،
فكان التهديد بالقصف، إنذار عاجل، خريطة حمراء، وضغط عبر "الميكانيزم"،
والنتيجة محاولة دفع الجيش اللبناني إلى موقع بالغ الحساسية الا وهو الدخول إلى
منازل الأهالي وتفتيشها، لا كإجراء سيادي لبناني، بل كاستجابة لطلب العدو.
ما جرى في يانوح لم يكن بحثاً عن سلاح، بل
بحثاً عن صورة، صورة جيش يدخل بيوت الجنوبيين تحت ضغط التهديد، وأهال يُستفَزون في
كرامتهم، ويونيفيل عالقة بين غضب الناس وأوامر "الآلية".
هذا المشهد بتفاصيله ليس جديداً على تاريخ
هذه المنطقة، بل هو استنساخ فج لذاكرة الاحتلال.
وهنا تعود الذاكرة قسراً إلى أيام ظنناها
أصبحت من كتب التاريخ، إلى "سفر برلك"، حين كانت الدولة العثمانية تطرق
أبواب البيوت لا لتسأل عن الخبز، بل عن الرجال والسلاح، ذلك السلاح الذي كان يُنقل
على ظهور الحمير في حفلة عرس مصطنعة وعلى صوت فيروز في فيلم "سفر برلك"
بهدف إلهاء الجنود.
حينها لم تكن الدولة العثمانية عاجزة عن
اعتقال من تريد أو مصادرة ما تشاء، لكنها كانت تُصر على حملات التفتيش القسري، لأن
الغاية لم تكن أمنية فقط، بل كسر العلاقة بين الناس وأي سلطة محلية، وزرع الخوف
والريبة داخل المجتمع نفسه.
وإذا
ما عدنا إلى زمن الانتداب الفرنسي، حيث كانت "الكونتوار" تفتش البيوت
بحثاً عن الفدائيين والسلاح، كما صوّر لنا "باب الحارة" ذلك الصراع
اليومي بين كرامة الناس وسلطة الاحتلال، التي كانت تعرف مسبقاً أن البيوت خالية،
لكن التفتيش بحد ذاته كان أداة إذلال وضبط وإشعال توتر.
حتى الاحتلال البريطاني في مصر لم يكن أكثر
تهذيباً ومارس الأسلوب ذاته وفشل مراراً، لأن السلاح كان يُهرب بطرق أبسط من خيال
الضباط، ولأن المجتمع كان أذكى من أن يُستدرج إلى صدام داخلي يخدم المحتل.
اليوم، تحاول إسرائيل إعادة إحياء هذه
المدرسة لكن بوسائل "حديثة"، فهي التي ترى تحت كل حجر صاروخاً عابراً
للقارات، وتحت كل مجرور صرف صحي ترسانة فرط صوتية، تطالب الجيش اللبناني بتفتيش
منازل الجنوبيين، وكأن الجنوب تحوّل فجأة إلى مستودع أسلحة كونية، الطلب بحد ذاته
ليس أمنيا بل فتنوي بامتياز، لأنه يضع الجيش في مواجهة ناسه، ويحوّل المؤسسة
العسكرية من عامل استقرار إلى أداة احتكاك.
تطلب ذلك ليس لأنها عاجزة عن القصف، بل لأنها
تريد أن تقول للجنوبي جيشك هو من دخل بيتك، لا طائراتي، تريد أن تنقل عبء المواجهة
من السماء إلى الأرض، ومن العدو إلى الداخل.
في يانوح حاولت إسرائيل أن تختبر هذا
السيناريو بالقوة، تهديد بقصف منزل، ضغط متكرر لإعادة التفتيش، ومحاولة فرض أمر
واقع.
الجيش اللبناني الذي يعرف جيدا حدود مهمته،
تصرّف بمنطق المسؤولية لا بمنطق الإملاء، دخل المنزل بطلب من صاحبه، خرج ولم يجد
شيئا، عاد تحت ضغط التهديد، فتّش حتى ما يشبه الصرف الصحي، وخرج مجددا خالي
الوفاض.
ومع ذلك لم تشبع شهية العدو، لأن الهدف لم
يكن العثور على سلاح، بل صناعة صورة جيش يداهم، أهل يعترضون، وفتنة جاهزة للتصدير.
من جهته، فهم الجيش اللبناني الفخ فهو يدرك
أن مهمته كما كُلف بها من مجلس الوزراء، واضحة ومحددة، وأن أي تفتيش للمنازل يحتاج
إلى قرار قضائي وغطاء سياسي، لا إلى تهديد بقصف ولا إلى خريطة حمراء تُنشر على
منصة "إكس"، لذلك كان تعاطيه في يانوح أقرب إلى إدارة أزمة لا إلى تنفيذ
مطلب إسرائيلي.
دخل المنزل بموافقة صاحبه، خرج من دون العثور
على شيء، وأبلغ الجهات المعنية، لكنه رفض تحويل الأمر إلى سابقة قابلة للتعميم.
وما يزيد المشهد خطورة، أن هذه المحاولة
الفتنوية لا تُواجَه حتى الآن بموقف رسمي واضح ولو بحده الأدنى، نصرة للسيادة
الوطنية أو حماية لهيبة الجيش اللبناني.
هذا الفراغ السياسي ليس تفصيلاً، بل مادة
دسمة يهلل لها العدو وهو يراقب مشهدا سياسيا وإعلاميا لبنانيا يتسابق بعضه للأسف
مع الخطاب الإسرائيلي نفسه في التحريض على المقاومة، وفي استجداء التطبيع مع
الكيان العبري وكأن المشكلة لم تعد في العدوان المستمر، بل في من يتصدّى له أو
يرفض شروطه.
هكذا، لا تكتفي إسرائيل بمحاولة جرّ الجيش
إلى مواجهة مع أهله، بل تجد في الداخل من يهيّئ لها المناخ المناسب إن كان صمتاً
حين يجب الكلام، وكلاماً تحريضيا حين تكون الأولوية لتحصين الوحدة الوطنية.
ولكن الفتنة التي ارادت اسرائيل تفجيرها
اليوم في يانوح سحب فتيلها الجيش واهالي الجنوب الذي يميزون جيدا بين جيشهم وعدوهم، وبين التفتيش
السيادي والتفتيش القسري المفروض بالنار، لذلك قررت إسرائيل تجميد الغارة مؤقتاً.
قد تغيّر إسرائيل أسماء العمليات وأشكال
الإنذارات، وقد تستبدل الجنود بالمسيّرات والخرائط الرقمية، لكنها لا تستطيع تغيير
حقيقة واحدة، هي ان الفتنة التي فشلت في "سفر برلك"، وسقطت في زمن
الانتداب، لن تنجح اليوم، مهما علا صوت التهديد، ومهما احمرّت الخرائط.