عباس المعلم*
البلطجة الأميركية اليوم لم تعد تُدار فقط من خلف الشاشات والعقوبات، بل خرجت إلى العلن بوجهها العسكري العاري. ما يجري في فنزويلا ليس خلافاً سياسياً ولا ضغطاً دبلوماسياً، بل عدوانٌ صريح يستهدف منشآت عسكرية ومدنية في قلب العاصمة، في مشهد يعيد تعريف «النظام الدولي» بوصفه نظام قصفٍ انتقائي لمن يرفض الطاعة. هكذا تتكلم الإمبراطورية حين تنفد الحجج بالصواريخ لا بالبيانات، وبالنار لا بالقانون. هذا السلوك ليس استثناءً في السياسة الأميركية، بل قاعدة راسخة. حين تفشل العقوبات في إنتاج الانهيار المطلوب، وحين تتآكل أدوات الفوضى المُدارة، يُستدعى الخيار العسكري كأداة ضبط وتأديب. لا سيادة تُحترم، ولا حياة مدنية تُحسب كقيد، لأن القوة حين تتحرر من المساءلة تتحوّل من وسيلة إلى عقيدة، ومن إجراء مؤقت إلى نمط حكم.
في هذا السياق، لا تكون فنزويلا الهدف بذاتها، بل النموذج. دولة تخرج عن الطاعة في ملف استراتيجي حيوي، فيُعاد ضبطها بالقصف. الرسالة لا تُوجَّه لكراكاس وحدها، بل لكل من يراقب، الاستقلال قرار هش، وحدود السيادة تُرسم من الجو لا من الدساتير.
ومن هنا يصبح الترابط مع البلطجة الإسرائيلية في منطقتنا ترابطاً بنيوياً لا تضامنياً. إسرائيل ليست مجرد حليف، بل مختبر متقدم لاختبار استخدام القوة خارج القانون. ما تُمارسه في غزة ولبنان من تدمير للبنى واستهداف للمدنيين وتحويل الجغرافيا إلى أداة عقاب، يُعاد إنتاجه أميركياً على مسارح أخرى بأدوات مختلفة ومنطق واحد.
الفرق بين واشنطن وتل أبيب ليس أخلاقياً ولا قانونياً، بل وظيفياً. الأولى تُقرّر وتُشرعن وتُدير، والثانية تُنفّذ وتُصعّد وتكسر السقوف. أميركا تمارس العنف باسم «النظام الدولي»، وإسرائيل باسم «الأمن الوجودي»، لكن النتيجة واحدة: القوة تسبق الحق، والنتيجة تُعيد كتابة المبرر.
لفهم هذا النمط من العدوان، لا يكفي توصيفه سياسياً أو أخلاقياً، بل يجب إدراجه ضمن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي. نحن أمام نظام لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار عبر القواعد، فانتقل إلى إنتاجه عبر الضربات المحدودة والمفتوحة. الحرب لم تعد فشلاً للدبلوماسية، بل امتدادها الطبيعي حين تفقد أدواتها الناعمة فعاليتها.
العدوان الأميركي على فنزويلا يندرج ضمن استراتيجية ردع تعويضي. الولايات المتحدة لم تعد تملك تفوّقاً شاملاً يسمح لها بإدارة العالم دون مقاومة، لكنها ما زالت تملك القدرة على العقاب. وحين يتآكل الردع الشامل، يُستعاض عنه بردع موضعي ضربات مركّزة في ساحات مختارة، لا للحسم بل للتذكير بمن يملك حق الكسر.
أما إسرائيل، فتؤدي دور الذراع المتقدمة في هذا النموذج. ليست حالة شاذة تعمل خارج القانون الدولي، بل كيان يعمل في مرحلة ما بعده. ما يُسمح لها بفعله دون مساءلة يتحوّل إلى معيار قابل للتعميم، وما يُطبَّع إسرائيلياً اليوم يُصبح سلوكاً مقبولاً أميركياً غداً.
نحن اليوم أمام هيمنة قلِقة تستخدم القوة لا لأنها واثقة من نفسها، بل لأنها تخشى فقدان مركزها. العدوان هنا ليس تعبيراً عن فائض قوة، بل عن اختلال بين الطموح والقدرة. لذلك تتحوّل الضربات العسكرية إلى استعراض قسري للسلطة، هدفه إبقاء الجميع داخل دائرة الخوف لا تحقيق نصر حاسم.
الأخطر في هذا النموذج ليس حجم الدمار، بل تطبيع العدوان. حين يُقدَّم القصف كإجراء إداري، والحصار كأداة إصلاح، والانتهاك كضرورة، فإن العالم لا يشهد جرائم فحسب، بل يشهد إعادة هندسة للوعي السياسي. يُعاد تعريف الاستقرار بوصفه غياب التمرّد، لا حضور العدالة، وتُختزل السيادة إلى امتياز مشروط لا حق أصيل.
في هذا المعنى، لا تبدو فنزويلا بعيدة عن غزة، ولا كراكاس منفصلة عن بيروت. المسافات الجغرافية تخفي وحدة المنطق لا اختلافه. ما يُعاقَب عليه ليس الخطر المباشر، بل إمكانية أن ينجو أحد خارج منظومة السيطرة. العدو الجديد ليس من يحمل السلاح، بل من يحمل فكرة الاستقلال. هكذا تتماهى البلطجة الأميركية والإسرائيلية لا بوصفهما انحرافاً عن النظام الدولي، بل بوصفهما جوهره العاري في لحظة تآكله. عالم تُدار فيه السياسة من فوهة الطائرة، ويُعاد فيه تعريف العدالة وفق ميزان القوة، ويُطلب من البقية أن تختار بين الصمت... أو انتظار دورها في جدول الاستهداف.
* كاتب سياسي