العلاقة بين إسرائيل وإيران مرَّت بتحوّلات جوهرية، حيث انتقلت من علاقة تحالف وتعاون وثيق في عهد الشاه إلى تنافس وصراع على النفوذ في الشرق الأوسط بعد الثورة الإيرانية عام 1979. هذا التحوّل يعكس تغييرات جذرية في الأوضاع السياسية والدينية والاستراتيجية في المنطقة، حيث باتت كل من إسرائيل وإيران تسعيان إلى توسيع نفوذهما وتحقيق أهدافهما الوطنية والإقليمية بطرق متباينة ومتصادمة.
قبل الثورة الإيرانية، كانت العلاقة بين إسرائيل وإيران قائمة على أسس من المصالح المشتركة. ففي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران تعتبر واحدة من القوى الإقليمية القليلة التي أقامت علاقات متينة مع إسرائيل. هذا التحالف لم يكن مجرد تكتيك سياسي، بل كان ناتجاً عن تقاطع مصالح استراتيجية واقتصادية.
إيران في عهد الشاه كانت تابعة للتحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وكانت ترى في الاتحاد السوفيتي خطراً مشتركاً مع إسرائيل، فضلاً عن عدو مشترك يتمثل في القومية العربية التي كانت آنذاك تحت قيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في مصر، الذي كان يعادي إسرائيل وإيران معاً. وفي خمسينيات القرن الماضي كانت ضمن حلف بغداد، الذي أنشأ لمواجهة المد السوفياتي، كذلك، كان الشاه يعتمد على دعم إسرائيل في مجالات التكنولوجيا العسكرية والزراعية والاستخبارات.
في الجانب الاقتصادي، كانت إيران مصدراً رئيسياً للنفط لإسرائيل، والتي كانت تعاني من الحظر النفطي العربي، خاصة بعد حرب 1967. وكانت إسرائيل تستفيد من تصدير التكنولوجيا والخبرات الزراعية إلى إيران. هذا التعاون تعزز من خلال مشروع «خط الأنابيب الإسرائيلي - الإيراني»، الذي كان يهدف إلى نقل النفط الإيراني إلى ميناء إيلات الإسرائيلي عبر الأراضي الإسرائيلية لتجاوز قناة السويس المغلقة آنذاك بسبب الحروب العربية - الإسرائيلية.
في عام 1979، أطاحت الثورة الإسلامية بالنظام الملكي الإيراني وأدّت إلى تغييرات جذرية في السياسة الإيرانية. تحت قيادة الخميني، أصبحت إيران جمهورية إسلامية تعتمد على أيديولوجيا شيعية مناهضة للغرب ولإسرائيل بشكل خاص، حيث كانت إسرائيل تُعتبر «الشيطان الأصغر» إلى جانب الولايات المتحدة التي لُقبت بـ«الشيطان الأكبر».
اعتمدت إيران الجديدة خطاباً اعتبرت بموجبه القضية الفلسطينية جوهراً لقضيتها السياسية والإيديولوجية، الى جانب تصدير ثورتها الى الدول العربية، مما وضعها في خط مواجهة مع إسرائيل التي كانت وما تزال تحظى بدعم الغرب، وخاصة الولايات المتحدة. الخميني ومن جاء بعده من قادة إيران صرّحوا برغبتهم في «إزالة إسرائيل من الخريطة»، وقدّموا دعماً كبيراً لبعض الفصائل الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي، فضلاً عن حزب لله في لبنان، الذي أصبح الأداة الرئيسية لإيران لمواجهة إسرائيل في المنطقة، بل أصبح درة التاج في مشروع إيران التوسعي.
اتخذ الصراع بين إيران وإسرائيل حيّز أكبر من مجرد عداء إيديولوجي، حيث تحوّل إلى تنافس استراتيجي على النفوذ في الشرق الأوسط. هذا الصراع برز بشكل أكبر بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والذي أدّى إلى انهيار النظام العربي بقيادة صدام حسين الذي كان يُعتبر حاجزاً أمام توسّع النفوذ الإيراني، خاصة ان إيران لعبت دوراً بتحالف ضمني مع الولايات المتحدة في إسقاط الخصم المشترك لكليهما المتمثل بنظام صدام حسين، وقد استغلت هذا الفراغ لتعزز وجودها في العراق وسوريا ولبنان، مما أثار قلق إسرائيل التي رأت في هذه التحركات تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
مع الإشارة الى أن الحرب العراقية - الإيرانية، شكّلت عامل مساحة لعلاقة غير مباشرة بينهما، تمثلت بما عرف بقضية «إيران كونترا»، وهي عبارة عن صفقة سرية لبيع أسلحة أميركية لإيران بواسطة إسرائيل مقابل الإفراج عن رهائن اميركيين محتجزين في لبنان.
بعد سقوط العراق في قبضة الولايات المتحدة، تصاعدت حدّة الصراع غير المباشر بين إسرائيل وإيران، حيث تدور حرب بالوكالة بينهما في عدة مسارح إقليمية. في سوريا، دعمت إيران نظام بشار الأسد عبر الحرس الثوري الإيراني وحزب لله، بينما نفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية ضد أهداف إيرانية في سوريا، سعياً لمنع تحويل البلاد إلى قاعدة إيرانية دائمة تهدّدها مباشرة.
إحدى أبرز نقاط التوتر الدائم بين إسرائيل وإيران هو الملف النووي الإيراني. إيران طورت برنامجها النووي منذ بداية الثمانينات، وازدادت المخاوف الإسرائيلية مع تزايد قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم وإمكانية تطوير أسلحة نووية. إسرائيل تعتبر أي احتمال لامتلاك إيران لسلاح نووي تهديداً وجودياً لها، وقد هدّدت مراراً بأنها لن تسمح بذلك حتى لو اضطرت إلى شن ضربات عسكرية.
هذا التوتر المتصاعد دفع إسرائيل إلى القيام بعمليات سرية عديدة لتعطيل البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك اغتيالات لعلماء نوويين وهجمات سيبرانية. وفي المقابل، تسعى إيران إلى استغلال هذا الملف كورقة ضغط على المجتمع الدولي، وتؤكد أن برنامجها النووي لأغراض سلمية.
في السنوات الأخيرة، ازدادت تعقيدات الصراع بين إيران وإسرائيل مع ظهور تحالفات إقليمية جديدة. من جهة، نجحت إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع عدد من الدول العربية، بما في ذلك الإمارات والبحرين والمغرب، ضمن إطار «اتفاقات أبراهام» التي جاءت برعاية أميركية. هذه التطورات عززت من مكانة إسرائيل في المنطقة وفتحت أمامها فرصاً جديدة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي.
في المقابل، تواصل إيران تعزيز نفوذها عبر دعم الجماعات الشيعية المسلحة في العراق واليمن وسوريا، كما ساهمت في تعزيز دور حزب لله في لبنان، مما يعزز من سيطرتها الإقليمية ويحقق حلمها الفارسي المتمثل بالوصول الى مياه البحر المتوسط، وهذا يشكّل تهديداً مباشراً لإسرائيل وطموحاتها التوسعية.
من التحالف في عهد الشاه إلى التنافس الحاد بعد ثورة الخميني، تجسّد العلاقة بين إسرائيل وإيران تحوّلاً جوهرياً في سياسات الشرق الأوسط. كلا البلدين يسعى لتحقيق نفوذ استراتيجي واحلام توسعية في المنطقة، وكل منهما يرى في الآخر تهديداً وجودياً. التنافس بينهما بات يتجاوز الصراع الإيديولوجي ليشمل مواجهات مباشرة وغير مباشرة على الأرض، وكذلك في أروقة الدبلوماسية الدولية بشأن الملف النووي الإيراني. وفي ظل استمرار هذه الديناميات، يبدو أن الصراع بين إيران وإسرائيل على الأرض العربية سيبقى عاملاً مركزياً في تحديد ملامح مستقبل الشرق الأوسط.
* محامٍ – دكتوراه في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية