يسحب (العام 2025) ذيوله من لبنان، بعد أن يتركه غارقا في أزماته، عاجزا عن وضع حلول جذرية لمشكلاته الداخلية والخارجية.
فقد إستطاعت القوى الإقليمية والعالمية، أن تلعب به طوال قرن من تأسيس كيانه، وأن تجعله ساحة لها لتصفية حساباتها مع الآخرين، مما ألحق به ضررا جسيما، شوّه بنيته وأضعف قوته، وجعله بلدا هشّا غير قادر، على تجاوز مشكلته المادية أو مشكلته المجتمعية. وهذا لمما أسهم أيضا، بإنقسامه الداخلي: طوائفيا ومناطقيا وزعامتيا. بحيث صار يصعب وضعه على سكة الإصلاح، لجعله بلدا إعتياديا ولو بسيطا، كسائر البلدان.
تكاثرت على هذا البلد الصغير الهموم الكبرى، التي تنوء بها البلدان العظمى. فقد أثقلته القضايا الإقليمية، وبات عاجزا عن تحمّل مسؤولياته الوطنية تجاه أبنائه. فلا رئاسة ولا حكومة ولا نواب ولا إدارة، إلّا بإرادة خارجية. وكذا لا ماء ولا كهرباء ولا طرقات ولا إدارات ولا خدمات. وباتت حاجات المواطنين اليومية، غرضا «غير شريف» للسماسرة والمرتزقة وأهل السوق السوداء. فإرتفعت الأسعار، بل حلّقت عاليا، وتدنّت الأجور والرواتب والمعاشات، وصار المواطن العادي، يشتهي ربطة الخبز وقارورة الغاز وعبوة الماء، وعودة الكهرباء إلى المنزل، بعد أن قطع اللصوص أسلاكها وباعوها في سوق الخردة، لأنها لم تعد تحمل الكهرباء.
وفي أواخر الأشهر من كل عام، تفتح المدارس أبوابها، ويحضر الأهالي لإرسال أبنائهم إليها، فتتضاعف الهموم على الناس، مع إزدياد الأقساط المدرسية، ويزداد أسعار الكتب والقرطاسية، وإرتفاع أجور النقل في الحافلات المدرسية، حتى بات الأهل يضربون الأخماس بالأسداس، ناهيك عن الزحمة على أبواب المدارس والجامعات، وعن تأمين المقاعد لأبنائهم، في ظل مزاحمة أطفال الهجرة واللجوء، وضغط الطلبات.
زد على ذلك، تلك الضغوط الخارجية التي غافلته وفرضت فرضا عليه، دون أن يتحضّر لها مسبقا، بسبب ذيول الحرب المفاجئة التي وقعت عليه، والتي أحرقت القرى والمدن والضواحي، وخلّفت ورائها المهجرين بالآلاف. وهذا ما زاد الأعباء عليه، وكانت بالنسبة له، كما يقول المثل العربي الشهير: «ضغثا على أبالة».
لبنان أواخر هذا العام، مطالب دوليا وإقليميا، بفاتورة باهظة، من الصعب عليه تحمّلها وحده، دون أن يضع أحد كتفه، إلى جانب كتفه. فهو يشهد ذكرى مرور سنة، على حرب الإسناد، والتي كانت نتائجها كارثية، جراء العدوان الإسرائيلي الذي أثخنته بالجراح. ولم تتوقف الحرب، إلّا بعد أن فرضت شروطها القاسية: حصرية السلاح وتنظيف جنوب الليطاني، ووقف الأعمال العدائية، والنهوض للإصلاح. وقد حددت له مهلا زمنية، لا يمكن التساهل فيها: أن ينجز كل ذلك دفعة واحدة، قبل نهاية هذا العام. ولهذا نرى القلق يزداد يوما بعد يوم، وقد أصبحنا في الأيام الأخيرة، بحيث لم يتبقَّ أمام لبنان إلّا شهر واحد لإنجاز جميع هذه الإلتزامات.
إزاء ذلك كله، وأمام العجز شبه المطلق في تجاوز هذا القطوع القاسي بل المر و الصعب، نرى الدولة كما الشعب منشغلا بزيارة الحبر الأعظم للبنان، داعيا إلى السلام. وربما وجد في ذلك فرصته، لطلب التمديد له، ووقف المهل عليه. لأنه من الصعب، أن يقوم بكل هذه الأعباء. فهل يلتمس من قداسته أن يتدخّل لدى الأصدقاء والأعداء تمديد المهل الضاغطة، ومساعدته في تحمّل الأعباء المادية الثقيلة على كتفيه.
ربما شكّلت زيارة قداسة بابا الفاتيكان له مخرجا لائقا، بحيث يجد عنده العطف اللازم، الذي يمنع عن لبنان القطوع المعجل: الصعب والقاسي والمرّ. ولكن، إذا ما إستطعنا تأخير المهل السياسية والأمنية، فهل نستطيع تأخير الضغوط الاقتصادية عن البلاد. فها هنا مربط الفرس، وهو في الوقت عينه مصدر قلق لبنان واللبنانيين وهم على أبواب فصل الشتاء!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية