بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 كانون الأول 2025 12:00ص النصر والقمة

حجم الخط
عملت الأحزاب كلها في الثورات وفي الحروب. كانت تكدح القمة، تريد الوصول إليها، سخّرت كل شيء في سبيل ذلك. ما إعترفت يوما من الأيام، بفشلها ولو بالحد الأدنى. كانت تعرف مسبقا، أن تمسّكها بالنصر ولو في عز الهزيمة والفشل والإنهزام، هو الذي يتوّجها على القمة، بين المؤيدين والمحازبين، وأهل البيت الخاص، وفي البيئة التي تبغي أن تتوّج فيها، وتشدّ من عصب جماهيرها.
كانت هذه الأحزاب تتنكّب النصر حتى صار عبئا عليها. بلدان كثيرة، كانت ترى أن لا قيمة لأهل الحكم فيها، إلّا إذا ما كانوا متوّجين بهالات النصر. إلّا إذا ما كانت قياداتها، تحتفظ بـ«دزينة من الأوسمة» على صدرها، وربما أكثر.
سارت الأحزاب عقودا طويلة، على هذه العقيدة البائسة، وعلى هذه الإستراتيجية الغفلى. ما عرفت طعم النوم على هزيمة. كانت دوما في عز هزائمها، تقول لجمهورها، أنها تتألق من نصر إلى نصر، وتتسلق من قمة إلى قمة. كانت تصنع الإنتصارات لنفسها، وكأنها جزءا من طعامها وشرابها. كانت تستسهل النصر، وكأنه جزء من حياتها اليومية. كانت تعتقد، وتثبت هذا الإعتقاد في نفوس جماهيرها، بأن النصر معقود بنواصيها، كما الخير في نواصي الخيل، إلى يوم القيامة.
فجأة جاء «الربيع العربي»، فوجدت جميع الأحزاب وجميع القيادات، أنها مخدوعة بهذه الشعارات التي رفعتها. كان نصرها المزيف، أعظم الغشوش في حياتها. ولذلك كان تهاويها جميعا، في برهة واحدة.
كان «اليوم التالي» لهذه الأحزاب المخدوعة بنفسها، والخادعة لأهلها ولأهل بيئتها، أقسى الأيام عليها، فهي تتذوق فيها المرارة، وتعيش الإنكسارات في واقعها وفي أحلامها، إنكشفت أمام جمهورها، وصارت تتستّر عليهم بورقة التين، وتخبئ رأسها في الرمال كما النعامة.
هذا المصير البائس، هو حقا إبن بجدّتها. فقد ضللت الناس زهاء عقود طويلة، وجعلتهم يصدقونها في كل ما تقوله لهم. خدعتهم جميعا، وخدعت نفسها بنفسها.
مثل هذه الثورات والأحزاب والقيادات التي إنتهت طوال العقود الماضية، أبانت في لحظة الحقيقة والواقع، أنها كانت تضل الطريق إلى العمل السياسي والعمل الإجتماعي، والعمل الاقتصادي. وأما العمل العسكري، ففيه كان مقتلها. ولهذا أمضت زهاء نصف قرن أو أكثر، في المخادعة والمواربة. فحين كانت تداهمها الأحداث الجسام، تردّ على الحدثان، بالأحاجي والأباطيل، وتتهرّب من تقصيرها، وتواري عوراتها بأكفّها.
الشعب كله، بأمه وأبيه، هو اليوم، في لحظة الحقيقة. تركته الأحزاب والثورات والقيادات عاريا، أمام واقعه المرّ، في مقاساة حوائجه وفي مواجهة أعدائه معا في آن. يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، فلا يجد من يعينه، ولا من يستند إليه، ولا من يرفع عنه ضائقته. يعرف اليوم بالمحسوس الملموس، أن النصر الدائم، لم يكن سوى خديعة لتسلق ظهور الجماهير و«الركوب» على أكتافهم، من أجل الحفاظ على القمة. فما كان أحوجنا إلى كلمة صدق واحدة!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية