صارت الحقيقة في لبنان وجهات نظرٍ فقط؛ كلٌّ يراها بعين طائفته، ويقيسها بمصلحته، ويلوي عنقها حتى تُرضي هواه.
يأتي 22 تشرين الثاني كلَّ عامٍ، فيُسمِّيه البعض «عيد الاستقلال» لأن الانتداب الفرنسي رحل عام 1943، ويُسمِّيه آخرون «الاستقلال الحقيقي» لأن الجيش السوري انسحب عام 2005، وثمة من يربطه برحيل منظمة التحرير عام 1982، ومن لا يزال ينتظر «الاستقلال الكبير» يوم تنتهي الهيمنة الإيرانية.
فأيُّ استقلالٍ هذا الذي تتعدَّد تواريخه بعدد طوائفنا وأهوائنا؟
أين الاستقلال والعدو الصهيوني لا يزال يحتلُّ أرضنا، ويغزو سمائنا وبحرنا وجبالنا كأنها ملكيّته الخاصة؟
أين الاستقلال ونحن نستقبل على ترابنا، ولو بقرار دولي، قواتٍ من عشرات الجنسيات، وكأننا قُصَّرٌ عاجزون عن حماية أنفسنا بأنفسنا؟
أين الاستقلال والهوية الوطنية تذوب، والمواطنة صارت ورقة انتخابية، والعيش المشترك رهينة كلِّ خلافٍ عابر؟
أين الاستقلال والفساد ينخر عظام الدولة، والطائفية تُحكم قبضتها، والمناطقية تقطِّع خريطتنا، والتبعية للخارج تُملي علينا قراراتنا المصيرية؟
أين الاستقلال وأدراج المحاكم تكاد تنفجر من ملفاتٍ يعلوها الغبار، وموقوفون يقضون عقدين من عمرهم دون محاكمة؟
أين الاستقلال ونحن لا نعرف حتى اليوم من اغتال خيرة قادتنا ومفكرينا، ولا مَن فجَّر مرفأنا، ولا مَن سرق مدّخرات شعب بأكمله؟
أين الاستقلال وآلاف الأسر بلا مأوى، ومودعون بلا أموال، ومرضى يموتون على أبواب المستشفيات، وشبابنا يهاجرون بالآلاف كلَّ شهر؟
نعم، تخلَّصنا من الانتداب الفرنسي عام 1943، ومن الوصاية السورية عام 2005، لكننا ما زلنا أسرى وصاياتٍ داخلية أشدّ بأساً وقسوة: وصاية المحاصصة، وصاية السلاح غير الشرعي، وصاية المال السياسي الفاسد، وصاية الخوف من بعضنا البعض.
وضعنا في لبنان صار يُضحك الغريب ويُبكي الصديق.
كلما أردنا أن نُثبت للعالم أننا أهلٌ للاستقلال، أتينا بسلوكٍ يقول عكس ذلك تماماً، فيقتنع العالم، وربما نحن أيضاً، أننا لا نزال بحاجة إلى وصيٍّ يُدير شؤوننا.
فبأيِّ عيدٍ نحتفل اليوم؟
عيد استقلالٍ... أم عيد استغلالٍ... أم استغفالٍ... أم استهبالٍ... أم اختلالٍ وانحلالٍ... أم استئصالٍ بطيء من خريطة الأحرار؟
أصاب الرئيس فؤاد شهاب حين قال: «الاستقلال الحقيقي لا يُؤخذ ولا يُعطى... إنما يُبنى».
بأيِّ حالٍ عدتَ يا عيدُ... وبأيِّ حالٍ نستقبلك، ونحن لا نزال ننتظر من يبني لنا استقلالاً لم نستطع، بعد اثنان وثمانين سنة، أن نبنيه بأيدينا؟