لم تكن زيارة الرئيس سعد الحريري لبيروت في شباط 2026، في ذكرى استشهاد والده، مجرد محطة وجدانية عابرة، بل جاءت لتكرّس مشهداً سياسياً مثقلاً بالدلالات والرسائل «المشفرة». فخلف الستار الوجداني للذكرى، برز تساؤل جوهري طغى على الصالونات السياسية: لماذا غابت اللقاءات الرسمية بين الحريري وكل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام؟
انتقائية «بيت الوسط»: مَن هو الحليف؟
إنّ حصر الحريري لقاءاته ببرنامج «مدروس ومحدود» في «بيت الوسط»، واختياره الرئيس نبيه بري استثنائياً لاجتماع مطول، لا يمكن قراءته إلا كفعل سياسي مقصود. فالحريري لم يزر القصر الجمهوري ولا السرايا، كما فعل في شباط 2025، وهذا التراجع البروتوكولي ليس مجرد «سهو» في المواعيد، بل هو إعلان عن مسافة سياسية شاسعة تفصله عن السلطة القائمة.
في دار الفتوى، وخلال الإفطار الرمضاني، بدا المشهد سريالياً، «الرؤساء الثلاثة» مع الحريري على مائدة واحدة، لكن المسافات النفسية كانت أبعد من حدود المقاعد. فالحديث المقتضب مع عون، والبرود البروتوكولي مع سلام، يعكسان حقيقة أن الحريري يرفض منح «شرعية سياسية» لتركيبة السلطة الحالية التي وجّه إليها سهام انتقاده من ساحة الشهداء.
الحسابات الانتخابية وظلال «البديل السنّي»
مع اقتراب انتخابات أيار 2026، يبدو أن الحريري يخوض معركة «إعادة إثبات الوجود». هنا يبرز التوتر الضمني مع الرئيس نواف سلام، فالأخير يمثل اليوم خياراً يحظى بدعم دولي (سعودي - فرنسي) لملء الفراغ السنّي. بالنسبة للحريري، فإنّ الانفتاح على سلام قد يُفسّر كاعتراف بـ«الوريث»، وهو ما لا يبدو الحريري مستعداً له، خاصة مع تنامي مؤشرات عودة «تيار المستقبل» إلى الحلبة الانتخابية.
الرسالة الموجّهة للخارج
لا يمكن عزل هذا «الجفاء» عن المناخ الإقليمي. فما أُشيع عن برود دبلوماسي مع السفير السعودي وليد البخاري يضع الحريري في موقف دقيق. إن تجنب الحريري للقاء عون وسلام، اللذين يمثلان تقاطعاً دولياً معيناً، قد يكون محاولة لإبراز «استقلالية القرار»، ورسالة لمن يهمه الأمر بأن العودة السياسية لن تمر عبر قنوات السلطة التقليدية، بل عبر الشارع والتحالفات التاريخية كالتحالف مع بري.
إعادة تموضع لا قطيعة
إنّ غياب اللقاءات في زيارة شباط 2026 ليس صدفة عابرة، بل هو نتيجة حسابات دقيقة. الحريري اليوم يتبع استراتيجية «الغموض البنّاء»، فهو يبتعد عن السلطة ليتصالح مع قاعدته الشعبية التي انفضّ قسم منها عنه، ويقترب من «حلفاء الضرورة» ليحفظ توازناته.
يبقى السؤال: هل ينجح هذا التباعد في إعادة تعويم الحريري سياسياً، أم أن القطيعة مع مراكز القرار الحالية ستجعله خارج «المعادلة الدولية» التي تُرسم للمرحلة المقبلة؟
الإجابة تكمن في صناديق الاقتراع إذا أجريت الانتخابات في موعدها وإذا قرّر الحريري خوضها، وفي «طبخات الكواليس» التي تسبق استحقاق أيار الكبير.