بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 كانون الثاني 2026 12:05ص بين منطق السيادة ومنطلقات المقاومة.. «هل يبقى لبنان بعيداً عن تصدُّعات الشرق الاوسط؟»

حجم الخط
يخضع الشرق الأوسط برمته الى عاصفة «إمبريالية (بمعنى توسُّعية) مصدرها الولايات المتحدة، التي يقف على رأسها اليوم أحد أبرز أساطين المال والاحتكارات والشركات والعقارات في العالم دونالد ترامب... الذي يُمضي ولاية ثانية كرئيس للولايات المتحدة عن الحزب الجمهوري.
وتهدف العاصفة هذه التي لم يخفِّف من وطأتها التجاذب القطبي مع أوروبا الغربية حول جزيرة غرينلاند الدانماركية الى العبث بـ «خرائط المناطق» الجغرافيا، وفتح مسارب ومسارات لوضع مصادر الثروة والطاقة في الخزائن الأميركية، وتحت إشراف رئيس لجنة السلام الدولية لقطاع غزَّة، الرئيس ترامب نفسه، الذي يُمضي غالبية وقته بين عدسات شاشات التلفزة وسيقان الصبايا الجميلات اللواتي يغطين تصريحاته ومؤتمراته الصحفية، سواءٌ في البيت الأبيض أو في الحدائق الخاصة التي يرتادها، فضلاً عن مدرَّجات الطائرات الخاصة، وحتى مقاعدها الأمامية..
هكذا يمكن فهم التدخل الأميركي في سوريا، والتلويح مجدداً بإعادة العقوبات على سوريا أحمد الشدع (وليس سوريا بشار الأسد) على خلفية ما يجري بشرق الفرات وغربه بين جيش النظام الجديد وقوات سوريا اليمقراطية (قسد) من اشتباكات تعنف أو تهدأ وفقاً لحسابات المفاوضات، والخطط المحيطة بالوضع السوري بتداخلاته التركية والاسرائيلية والكردية ووضعية سائر الأقليات الأخرى من دروز وعلويين ومسيحيين..
وهكذا يُمكن فهم الوساطة المطروحة على مصر وأثيوبيا حول الخلافات على تقاسم مياه النيل بين دولتين افريقيتين، وحول واحد من أطول الأنهار في العالم وأغزرها، وقوَّته في الاستقرار والانماء والاعمار، أو فتح مسارات حروب لا تُبقي ولا تذر، بعدما مدَّ الاسرائيلي يده على الصومال  في المقرِّ الافريقي، فاتحاً الباب  أمام نوافذ وحسابات، لا تحمل إلَّا الحروب الى المنطقة الافريقية المنهكة، والغائرة تحت بحور من الجهل والتخلُّف والفقر..
حتى أن اسرائيل، التي فقدت في عهد ترامب دورها كقاعدة هجومية متقدمة ضد العالم العربي وقضاياه، لاسيما القضية الفلسطينية، على الرغم من انعقاد القمم (أُحصي منها 5 قمم) بين ترامب وبنيامين نتنياهو يزعم اليمين ورئيس وزراء اسرائيل منذ ما قبل عملية «طوفان  الاقصى» التي أدت الى ما أدت إليه من نتائج بعضها كارثي، والبعض الآخر قيد التقييم من زاوية المصالح والمنافع، وترك الكلمة الفصل للتاريخ، حتى أن إسرائيل تجاوزها الرئيس الاميركي في اتفاق غزَّة، عندما شكل مجلس السلام لغزَّة برئاسته، ممَّا حدا بالجانب الاسرائيلي الى اصدار بيان احتجاجي، ومن ثم تكليف وزير خارجية اسرائيل جدعون ساعر للتواصل مع روبيو وزير الخارجية الاميركي وعضو مجلس السلام، للاستيضاح، ولا أدري ماذا بعد، بعد أن تحوَّلت اسرائيل التي «يفاخر» رئيس حكومتها بأنه سيحدّد الشرق الاوسط بلا منازع، من دولة لاعبة، الى دولة مرشحة لأن يكون ملعوب بها، مع مجلس السلام العالمي لغزَّة برئاسة ترامب، واستبعاد اسرائيل حتى عن العضوية، في حين دُعي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمشاركة، وكذلك الأمر وبالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان..
في المشهد هذا، بقيت إيران تحتل مكاناً متقدماً ومساحة كبيرة من تغطيات الاعلام الأميركي والعالمي، مع التصريحات الاخيرة لترامب التي يدعو فيها الى تغيير القيادة الايرانية بعد 37 سنة من حكم المرشد الحالي السيد علي خامنئي..
وسط هذه التشقُّقات والتصريحات في استقرار الشرق الأوسط القديم، يُطرح السؤال بإلحاح، ماذا عن الوضع في لبنان، وتحديداً عن مصير سلاح حزب الله في المرحلة الثانية وما يليها جنوبي الليطاني وشمال الأولي وصولاً الى نهر العاصي والنهر الكبير في الشمال.. في البقاع.
برز في الأسابيع الماضية، وسط تجدُّد تحرُّك اللجنة الخماسية العربية - الدولية (المملكة العربية السعودية، مصر، قطر، الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا) تباين، بل أكثر خلاف واضح بين منطق الدولة، الذي يمثله الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، ومنطق المقاومة، ومن يمثلها سواءٌ حزب الله، أو عبر تحالفاته التي ظهرت بعد النتائج الكارثية المشاركة بحرب طوفان الأقصى عبر ما سمي بـ «حرب الإسناد» التي انتهت بحرب «أولي البأس» بعد استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصد الله، وخليفته في الأمانة العامة السيد هاشم صفي الدين.
في منطق الدولة الرسمي مسلَّمات ومنطلقات ومبادئ، تترسخ يوماً بعد يوم: معالجة الاحتلال الاسرائيلي تكون عبر الدبلوماسية، وفقط الدبلوماسية لأن السلاح الذي خسر الحرب، لم يعد قوة ردع أو تحرير أو أي شيء آخر، فهو بات عبئاً (أي السلاح) على حزب الله وعلى بيئته.. وبالتالي لا بُدَّ من الخروج من منطق القوة الى «قوة المنطق» والكلام للرئيس عون في مناسبة مرور عام كامل على بدء عهده في بدايات العام 2025..
لم يرقَ هذا المنطق المستجد بهذا الوضوح لفريق حزب الله وأنصاره وجمهوره، فخرج أمس الأول الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليرد «الحجر» إلى أصحابه، مؤكداً على أن سلاح المقاومة لم يسقط، كسلاح ردع ورد وتحرير، وبالتالي فهو باقٍ لدى المقاومة، التي لن تسلّم السلاح، وتحوِّل بيئة الحزب الى بيئة مستباحة بالكامل، ليس فقط بالمسيَّرات والانتهاكات والاغتيالات بل أيضاً بـ «ذبح الحزب» قيادته وكوادره ومقاتلين في منازلهم أو أعمالهم أو حتى على الطرقات..
من حيث المبدأ هذا الانقسام بين الدولة والمقاومة، بعد سقوط «القاعدة الذهبية» أو «الخشبية» (والتسمية للرئيس السابق ميشال سليمان)..
 ليس حدثاً عابراً، إنه منطلق الخلافات تضع لبنان تحت منعطف تغيرات قد تجعل من الاستقرار القائم مسألة ليست هشة وحسب، بل أيضاً قابلة لأكثر من احتمال، وسط تهديدات نقلتها صحيفة معاريف الاسرائيلية عن مسؤولين اسرائيليين، بأنه مع انقشاع الطقس البارد والممطر، تكون اسرائيل باتت أقرب الى قرار بـ «عملية نوعية» (طبعاً عسكرية) ضد حزب الله..
المهم ، في سُلَّم المخاوف أنه لا يبعد الوضع في لبنان من الدخول مجدداً الى «دائرة القلاقل» سواءٌ على هذا النحو أو ذاك، ما لم يُعَدْ النظر بـ «مهلة نزع السلاح» أو العودة إلى تفاهمات أعمق ممَّا هو حاصل، ما دام الهدف متفق عليه: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وعودة الأسرى، وبدء عمليات الإعمار.