بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 تشرين الأول 2025 12:00ص تعليق ترخيص «رسالات» توازن بين القانون والسياسة

مالك لـ«اللواء»: التعليق الذي اتّخذه مجلس الوزراء أتى من خارج النصّ القانوني

حجم الخط
شكّل قرار مجلس الوزراء تعليق العمل بالعلم والخبر العائد لجمعية «رسالات» محطة سياسية بارزة، أعادت التأكيد على أنّ الحكومة الحالية تسعى إلى تثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتقليص الدور السياسي للأحزاب ولا سيما «حزب الله»، الذي لطالما استخدم واجهات ثقافية واجتماعية لتغطية نشاطات ذات طابع سياسي وأمني.
فجمعية «رسالات» التي تأسست قبل أكثر من عقد، وبرزت في المشهد الثقافي من خلال مهرجانات ومعارض وأعمال فنية، أثارت نشاطاتها مؤخرا جدلاً واسعاً بعد أن اتُّهمت بتجاوز الإطار الثقافي إلى المجال السياسي المباشر، خاصة في حادثة صخرة الروشة وما رافقها من أحداث شكّلت الكثير من الانتقادات، خصوصاً انها أتت في فترة بالغة الدقّة والحساسية.
وكما بات معلوما فان الجلسة الأخيرة للحكومة في قصر بعبدا، والتي طرحت طلب وزارة الداخلية والبلديات حلّ الجمعية استناداً إلى مخالفات موثّقة، تشمل تجاوز نظامها الداخلي وإقامة نشاطات في الروشة خالفت القوانين المنظمة للأملاك العامة، انتهت إلى مقاربة وسطية من خلال التنسيق بين رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ورئيس الجمهورية جوزاف عون، وتمثلت هذه المقاربة في تعليق الترخيص مؤقتاً بدل الحلّ النهائي، في خطوة قرأها المراقبون على أنّها محاولة لحماية القرار من التسييس ومنح القضاء مجالاً للتحقيق، من دون الاصطدام المباشر مع «حزب الله».
رغم أنّ الغالبية الساحقة من الوزراء أيّدوا خيار الحلّ الكامل، معتبرين أنّ الجمعية تجاوزت حدود الترخيص الممنوح لها من محافظ بيروت، إلّا ان قرار التعليق جاء كردّ فعل على المخالفات القانونية، لكنه في الوقت نفسه شكّل حلاً وسطاً لتفادي التصعيد السياسي.
وفي الوقت الذي أكّد البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء أنّ حرية الجمعيات تبقى مصونة بموجب الدستور، شدّد على أنّ هذه الحرية لا تعفي أي جهة من احترام القوانين والأنظمة التي تضمن الانتظام العام والمصلحة العامة.
وفي هذا الإطار وصفت مصادر سياسية لـ«اللواء» الصياغة التي صدرت عن مجلس الوزراء بأنها تحمل رسالة مزدوجة إلى الداخل اللبناني وهي ان الحكومة لا تزال تملك هامش قرار مستقلّ، وإلى الخارج، خصوصاً الدول الداعمة، بأن هناك إرادة سياسية لاستعادة هيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
ولكن في المقابل، فإن جمعية «رسالات» حاولت التقليل من دلالات القرار، مؤكدة في بيانها أنها «لم تسعَ إلى استفزاز أحد»، وأنها ستواصل نشاطها الفني والثقافي، وستتابع المسار القانوني «حتى النهاية». إلّا أنّ مصادر حكومية رأت في البيان محاولة التفاف على القرار، في وقت يجري فيه التحقيق القضائي في خلفية نشاط الجمعية وتمويلها وعلاقتها المحتملة بمؤسسات مرتبطة بـ«حزب الله».
ورأت المصادر الى ان قرار تعليق الترخيص يأتي كما هو معلوم في لحظة سياسية دقيقة تسعى فيها الحكومة لإعادة تثبيت مبدأ حصر القرار السيادي بيد الدولة، بعد سلسلة تحدّيات ميدانية وإعلامية من الحزب في أكثر من ملف، من الجنوب إلى الشأن الثقافي والإعلامي. ومن هنا، لا يُقرأ الإجراء بحق «رسالات» كقضية إدارية بحتة، بل كإشارة سياسية إلى أنّ مرحلة «التساهل» مع الواجهات المرتبطة بالحزب بدأت تضيق، وأنّ السلطة التنفيذية تسعى إلى فرض إيقاعها القانوني تحت سقف التوازن الدستوري.
وتعتبر المصادر إلى أنّ التعليق المؤقت لعمل الجمعية ربما يسمح للحكومة باختبار ردود الفعل السياسية والقضائية قبل اتخاذ أي خطوة تصعيدية، مع الحفاظ على الصورة القانونية والدستورية للقرار. وتعتبر هذه الخطوة مؤشراً على أنّ الحكومة ماضية في فرض القانون على الجميع دون استثناء، لكنها تختار الوسائل المتدرجة لتجنب أي أزمة سياسية قد تؤثر على الاستقرار الداخلي.
وفي الإطار الدستوري، يوضح الخبير القانوني والدستوري سعيد مالك لـ«اللواء» انه من الثابت والأكيد أن هناك فارقاً ما بين حلّ الجمعية وتعليق عملها. الفارق بين حلّ الجمعية وتعليق عملها يكمن في أن الحلّ، والذي يتمّ بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء عملاً بأحكام المادة 3 من قانون الجمعيات، يعني إنهاء الشخصية المعنوية لهذه الجمعية وتصفية أموالها وممتلكاتها بحال وُجدت.
أمّا التعليق، فيعني تجميد نشاطاتها إلى أجلٍ محدّد، وفي الحالة الحاضرة إلى حين إنجاز التحقيقات وإتمامها في مخالفة ما سُمّيت بصخرة الروشة.
والقانون ينصّ على الحلّ ولا ينصّ على التعليق، والتعليق جاء كتسويةٍ سياسية كما تعوّدنا دائماًَ في الملفات الساخنة.
وقال: «لا أدري إلى متى سنبقى نوارب في القانون لإيجاد المخارج والمهارب السياسية. وعوض تطبيق القانون بعُرفيّته، ممّا يُفيد أنّ قرار التعليق الذي اتّخذه مجلس الوزراء أتى من خارج النصّ القانوني، درءًا لأيّ إشكالٍ ممكن أو متوقّع أن يتطوّر، في حين كان يُفترض بالحكومة تطبيق القانون وحلّ الجمعية لثبوت اقتراف المخالفات من قبل هذه الجمعية».
وفي المحصلة، يبدو أنّ الحكومة قد نجحت في إيجاد توازن بين السياسة والقانون، لذلك فهي اختارت التعليق بدل الحلّ، لتفادي المواجهة المباشرة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام القضاء لمواصلة التحقيق في المخالفات المحتملة للجمعية، وهو ما يعكس إرادة الدولة في استعادة سيادتها تحت سقف الدستور والقانون.