لم يكن مفاجئاً تعيين شخصية مدنية لمشاركة الوفد اللبناني العسكري في اجتماعات لجنة الإشراف الخماسية على تنفيذ وقف الأعمال العدائية - الميكانيزم، ذلك ان القرار الرسمي للدولة كان متخذا منذ ان طلبت الإدارة الأميركية عبر الموفدين مورغان أورتاغوس وطوم برّاك إشراك مدنيين رسميين في اللجنة، لكن المفاجأة ربما كانت في اختيار السفير الأسبق في واشنطن سيمون كرم، الذي يثير تاريخه وخلفيته السياسية لغطاً ومخاوف وأسئلة لدى بعض القوى السياسية لا سيما حزب لله، ستتضح الإجابة عليها في كلمة الشيخ نعيم قائم اليوم، لكن يجب التوقف عن مسألة مهمة سواء في اختيار كرم أو سواه، وهو ان مندوب لبنان السياسي في لجنة الإشراف سيتبع قرارات الدولة لا سيما توجهات رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولن يذهب الى حدّ الاجتهاد الشخصي في أي مفاوضات ستجري في اللجنة، سواء ذات طابع أمني - عسكري أو سياسي محدود.
وقد بات قرار لبنان بمشاركة مندوب دبلوماسي سياسي في المفاوضات معروفا ومحدداً بدقة في مواقف الرؤساء عون ونبيه بري ونواف سلام، وسقفه واضح: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين عسكريين ومدنيين وتسهيل إعادة الإعمار وعودة أهالي الجنوب الى قراهم، أما التفاوض السياسي حول اتفاقات سياسية واقتصادية كما يطرح العدو الإسرائيلي فهو أمر ربطه لبنان الرسمي بحل الصراع العربي - الإسرائيلي وفق مبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت العربية عام 2002. لكن المشكلة تكمن في ما يريده الإسرائيلي ومن خلفه ومعه الأميركي، وبخاصة بعد التسريبات الأميركية والإسرائيلية عن استمرار رغبة الرئيس الأميركي ترامب في إقامة منطقة اقتصادية على الحدود الجنوبية، ورغبة رئيس كيان الاحتلال في أن تكون هذه المنطقة أمنية وخالية من السكان لا من السلاح فقط.
حددت الدولة إذاً سقف التفاوض، ولا يملك السفير كرم ترف خيار التوسّع في طرح خيارات ما يقبله لبنان وما يرفضه، تحت طائلة «إنهاء مهمته ودوره فوراً» كما نُقِلَ عن الرئيس نبيه بري، لكن ثمة خشية لدى البعض من أن تتغيّر مقاربات الرؤساء خلال مسار المفاوضات وفق قناعات كلاً منهم أو وفق ما تطلبه الإدارة الأميركية بناء لرغبة إسرائيل، فقد تكون مقاربة الرئيس نواف سلام مختلفة عن مقاربة الرئيسين عون وبري، وقد تختلف مقاربة الرئيس عون عن مقاربة الرئيس بري، تبعاً لحجم الضغط الأميركي الذي يمكن أن تمارسه الإدارة الأميركية للذهاب الى خيارات لا يريدها لبنان في هذه المرحلة وهو يرى انه من المبكر الدخول في التفاوض حولها وبخاصة مسألة تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال.
مكمن الحذر والتخوّف مردّه الاندفاع الدولي والإقليمي نحو تطبيع العلاقات وتحقيق السلام باكراً مع كيان الاحتلال بناء لما سمّي «الاتفاقات الابراهيمية» ومن دون أي ضمانات بإلتزام الاحتلال بالتنازل ومنح الفلسطينيين حقوقهم الطبيعية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة. وموضوع الاتفاقات الابراهيمية تطرق له الرئيس عون في كلمته الوداعية للبابا لاوون الرابع عشر، الذي دغدغ أفكار المسؤولين اللبنانيين وبعض القوى السياسية بتكرار كلامه في كل محطة من محطات زيارته عن التفاوض والسلام بدل اللجوء الى السلاح.
عدا ذلك وقبل الدخول في الحديث عن تفاوض سياسي - سلمي - تطبيعي، يجب التوقف عند المسائل الأمنية الشائكة في التفاوض عبر لجنة الميكانيزم لتطبيق مندرجات اتفاق وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرار 1701، ما يطرح الأسئلة الشرعية الآتية: هل تنسحب قوات الاحتلال من النقاط المحتلة من دون شروط سياسية؟ وهل تسهّل موضوع تحرير الأسرى والكشف عن مصير المفقودين من عناصر حزب لله والمدنيين؟ وهل تسمح برفع الأنقاض لإنتشال جثامين عشرات الشهداء؟ وهل تسمح بعودة الأهالي الى قراهم الجنوبية بشكل آمن من دون تهويل وترهيب؟ وهل كل هذه العمليات الأمنية يمكن أن تتم بسرعة أم انها ستستغرق وقتاً طويلاً؟
الفترة المقبلة ستكشف توجهات السفير كرم وهل تتحكم به خلفياته السياسية السابقة، أم يلتزم سقف قرار الدولة ممثلة بالرؤساء الثلاثة؟ كما ستكشف حقيقة الموقف الأميركي بعد تعيينه، هل سيكون عامل تسهيل وضغط على إسرائيل أم عامل ضغط إضافي على لبنان لدفعه الى خيارات لا يريدها؟ لعلّ الجواب أتى أمس عبر الانذارات التي وجهها الاحتلال لعدد من القرى ثم شنّ غارات عنيفة عليها!