بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 كانون الثاني 2026 12:15ص تناقضات واشنطن تجاه إيران استراتيجية ضغط أم عجز مقنّع؟

حجم الخط
في تطور مفاجئ، حرّك الجيش الأميركي مجموعة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln باتجاه الخليج العربي، وأجلى مئات الجنود من قاعدة العديد في قطر، في إشارة واضحة لعمل عسكري وشيك ضد إيران. لكن في تحول دراماتيكي، خُفّض مستوى التحذير بعد ساعات، وأعلن ترامب توقف «القتل» استناداً لمصادر لم تؤكدها الاستخبارات الأميركية.
سبع تهديدات عسكرية في أسبوعين، ثم تراجع مفاجئ. بين التصعيد والتهدئة، يطرح سؤال جوهري: هل هذه استراتيجية ضغط محسوبة، أم صخب إعلامي يخفي عجزاً عن التحرك؟ الإجابة تكمن في فهم مشهد أوسع: مذبحة داخلية راح ضحيتها 12,000 إيراني، وضغوط إقليمية مكثفة، ومخاطر استراتيجية قد تحوّل أي تدخل إلى كابوس إقليمي.

التصعيد ثم التراجع: لعبة ترامب المحسوبة

شهدت الأيام الماضية تحركات عسكرية أميركية متناقضة بدأت بتصعيد واضح: حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln التي كانت في بحر الصين الجنوبي يمكن أن تصل إلى الخليج في 5-7 أيام، وبدأت الولايات المتحدة بإجلاء مئات الجنود من قاعدة العديد الجوية في قطر، أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط. لكن مستوى التحذير الأمني في القاعدة خُفّض لاحقاً، في إشارة إلى تراجع عن التصعيد المباشر.
برر ترامب تراجعه بالقول إن «مصادر مهمة جداً من الجانب الآخر» أبلغته بأن القتل قد توقف. لكن تقارير الاستخبارات الأميركية في ذلك الوقت لم تشر إلى أن إيران أوقفت قتل المتظاهرين، مما يثير تساؤلات حول مصداقية هذا التبرير. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نفى وجود خطط لإعدام المتظاهرين، مما أعطى ترامب مخرجاً دبلوماسياً.
في حالة رمزية، كان من المقرر إعدام المتظاهر إرفان سلطاني في 14 كانون، لكن بعد تهديد ترامب، تم تأجيل الإعدام. المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قالت إن جميع الخيارات بما فيها العسكرية لا تزال على الطاولة، وإن «الحقيقة هي أن ترامب فقط يعرف ما سيفعله». هذا الغموض المتعمّد يبدو جزءاً من استراتيجية ترامب التفاوضية المعتادة، لكنه يخلق حالة من عدم اليقين الإقليمي.

الضغوط الإقليمية والدبلوماسية

كشفت صحيفة «فايننشال تايمز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر قريبة من حكومات عربية، أن السعودية وتركيا وقطر وعمان ومصر حثّت إدارة ترامب على ضبط النفس وحذّرت من الأضرار المحتملة على جيران إيران في حال توجيه ضربة أميركية. قال مسؤول عربي: «الوضع هدأ الآن، أميركا تعطي المحادثات مع إيران وقتاً».
شهدت الأيام الماضية جهوداً عاجلة من حلفاء أميركيين رئيسيين لإحباط العمل العسكري، مع اتصالات مستمرة بين مسؤولين أميركيين وخليجيين حول المنطقة لمنع هجوم وشيك. بدورها أبلغت بريطانيا وزير الخارجية الإيراني بأن «إيران يجب أن تغيّر مسارها بشكل عاجل» وتحترم الحقوق الأساسية للإيرانيين، مهدّدة بأن مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى ستفرض عقوبات إضافية في حال عدم الامتثال.
محللون يعتقدون أن ترامب تلقّى ردود فعل من الحلفاء الإقليميين بأن مهاجمة إيران «ليست ذكية»، خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية الراهنة.

المخاطر العملية للتدخّل العسكري

أي تدخّل عسكري يواجه معضلة قاتلة:
- مراكز القيادة في المناطق المأهولة: استهداف مراكز قيادة الحرس الثوري والباسيج الموجودة داخل المدن يعني المخاطرة بقتل المدنيين الذين تحاول أميركا دعمهم.
- التناقض الاستراتيجي: قد يتحوّل ترامب من «منقذ» للمتظاهرين إلى «قاتل» لهم، في نتيجة عكسية تماماً.
- إيران ليست العراق: حذّرت ماري ياكوبيان من معهد واشنطن للشرق الأدنى من أن الإطاحة العسكرية بالنظام تتعارض مع نهج ترامب تجاه إيران، وأن محاولة قطع رأس النظام تؤدي إلى فوضى لا يريد ترامب الانغماس فيها.
أشارت مجلة TIME إلى أن إيران ليست العراق عام 2003 أو ليبيا عام 2011، فإيران دولة أكبر، أكثر تماسكاً، وتملك يورانيوم بدرجة قريبة من السلاح. خبراء حذروا من أن أي عمل عسكري أميركي ضد إيران قد يفشل إذا كان يشبه الضربات «لمرة واحدة» السابقة دون ضغط سياسي واقتصادي مستدام.

أسلوب ترامب التفاوضي والمأزق الاستراتيجي

تاريخ ترامب يظهر أنه غالباً ما يصعّد التهديدات كأسلوب تفاوضي، كما حدث مع فنزويلا. محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يرون أن ترامب لا يسعى لتغيير النظام، بل يستخدم المتظاهرين كأوراق ضغط لتصعيد الضغط على إيران.
يشير محللو CSIS إلى أن تحذير ترامب وضع طهران في مأزق: إما ترك الاحتجاجات تستمر والمخاطرة بتحدي خطير للنظام، أو القمع والمخاطرة بهجوم أميركي. النظام اختار القمع الوحشي، لكن الثمن السياسي والدبلوماسي كان باهظاً، والأهم من ذلك، الثمن الإنساني كان كارثياً.

تجنّب الصراع المفتوح

يقول سينا توسي من مركز السياسة الدولية: «من الصعب أخذ ما يقوله ترامب على محمل الجد، لكننا نعلم أن لديه نفوراً من الانجرار إلى صراعات عسكرية كبيرة ومفتوحة، ومع إيران كان هذا الخطر على الطاولة».
مركز الأبحاث البريطاني Chatham House يطرح السؤال الجوهري: «هل لدى ترامب الرغبة في شنّ حرب مفتوحة ضد دولة من 90 مليون نسمة بنظام صامد يمكنه إحداث الفوضى داخلياً وخارجياً؟» الإجابة حتى الآن تبدو واضحة: لا. ترامب يفضّل الضغط دون الانجرار إلى مستنقع عسكري قد لا يستطيع الخروج منه.

الخيارات البديلة: الحرب الناعمة

أوصى العديد من مستشاري ترامب بدلاً من الخيار العسكري المباشر، بإجراءات غير حركية تشمل:
- العمليات السيبرانية:
التركيز على القدرات السيبرانية الهجومية لمحاولة هدم الستار الحديدي الرقمي لإيران. هذا يشمل استهداف البنية التحتية للإنترنت التي يستخدمها النظام للمراقبة والرقابة.
- العقوبات الاقتصادية الأقسى:
تصعيد الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني من خلال عقوبات أوسع وأشد تأثيراً، تستهدف شرايين الاقتصاد الإيراني.
- دعم المتظاهرين بوسائل الاتصال:
توفير خدمات مثل ستارلينك وشبكات VPN لكسر الحصار الإلكتروني، رغم محاولات النظام تعطيلها.
بهنام بن طالبلو، مدير برنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، كتب في نيويورك بوست أن الدعم لا يعني "قوات أميركية على الأرض” بل يمكن أن يكون بسيطاً كدعم الاتصالات أو هجمات سيبرانية ضد آلة القمع.
من جهة أخرى، يرى بعض المحللين في Chatham House أن كل ما على ترامب فعله هو إطلاق النار ليسبب الذعر داخل النظام، إذ أن خامنئي لن يعرف إن كانت ضربة واحدة أم حملة موسّعة.
• الخطر لم ينتهِ
رغم التراجع الظاهري، المحللون يتوقعون أن ترامب قد ينفذ ضربات محدودة تمكّنه من الادّعاء أنه أوفى بوعده «بمساعدة» الإيرانيين، دون إشعال تصعيد أوسع. السيناتور ليندسي غراهام نفى أن ترامب استبعد العمل العسكري ضد إيران.
حذّر مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) من أن الولايات المتحدة وإسرائيل مقتنعتان بأنهما يمكنهما استخدام القوة العسكرية ضد إيران بحصانة، وأن هذا قد يكون خطأ تقدير خطير.

مستقبل معلق بين التصعيد والانهيار

ما تشهده إيران ليس أزمة عابرة، بل نقطة تحول تاريخية قد تعيد تشكيل المنطقة بأكملها. الوضع لا يزال متوتراً رغم الهدوء النسبي في الشوارع، مع استمرار الانتشار الأمني المكثف في طهران والمدن الأخرى.
الموقف الأميركي يبدو أكثر حذراً مما توحي به التصريحات العلنية، مع تفضيل واضح للضغط الدبلوماسي والاقتصادي والسيبراني على التدخل العسكري المباشر. لكن المجتمع الدولي يراقب الموقف عن كثب، وسط مخاوف من أن تصعيداً غير محسوب قد يؤدي إلى عواقب إقليمية وخيمة.
دورات متكررة من التصعيد والتهدئة، دون حل جذري في الأفق القريب. الحل الحقيقي يتطلب أكثر من تغريدات وتهديدات: ضغط دولي مستدام، دعم فعلي للمتظاهرين دون تعريضهم لقصف عشوائي، واستراتيجية طويلة المدى لا تختزل معاناة شعب بأكمله في مناورة انتخابية.
حتى ذلك الحين، يبقى 90 مليون إيراني وحدهم في مواجهة نظام مستعد لكل شيء من أجل البقاء.