تجاوزت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا والشرق الأوسط توم برّاك، كل قواعد وأصول الدبلوماسية التقليدية والمتعارف عليها، ودوره المفترض في العمل كوسيط أميركي من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وتنفيذ الاتفاقيات التي وافقت أو ستوافق عليها الحكومات والأطراف المعنية، وحلّ النزاعات والصراعات في المنطقة بالطرق السلمية، وإنهاء الحروب وإحلال السلام في الشرق الأوسط.
هناك سؤال أساسي وعام، وأسئلة لا تقلّ أهمية حول أبعاد تصريحات برّاك السياسية والأمنية في موضوع السلام في الشرق الأوسط، والدوافع الكامنة خلف هذه التصريحات، والغاية الحقيقية منها، ونظرته إلى الصراعات التي لا تنتهي بين إسرائيل والدول التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا واتفاقية سايكس بيكو في المنطقة. السؤال العام: هل يجب أخذ تصريحات برّاك على محمل وسيط متحيّز لإسرائيل فقط على حساب لبنان ودول المنطقة؟ هذه مسألة ثابتة ومعروفة مع اختلاف نسبة التحيّز أو التماهي بين السياستين الأميركية والإسرائيلية، واختلاف الشكل والأسلوب وطريقة التعاطي الدبلوماسي، ومدى مراعاة القواعد القانونية والأعراف الدولية الخاصة بحل النزاعات والصراعات بين الدول بالوسائل السلمية.
الإجابة على هذا السؤال وغيره من الأسئلة التي ذكرناها حول ما يختبئ خلف النظرة التاريخية والرؤية المستقبلية التي يقدمها المستثمر العقاري الأميركي لدول المنطقة، تصبح أكثر من ضرورية لفهم توجهات السياسة الأميركية في هذه المرحلة الدقيقة والمعقّدة بسبب الاختلاف الظاهر بين مضمون تصريحات برّاك وبين أهداف ومشروع ترامب للسلام الدائم في الشرق الأوسط! يبدو عمل برّاك الآني كمساحة لعب واسعة تركها البيت الأبيض لنتنياهو لإنجاز ما يمكن عسكرياً وعملانياً خلف الحدود وفي عمق الدول المجاورة قبل رسم الخطوط الأمنية التي تريدها إسرائيل.
أخطر ما قاله توم برّاك هو أن السلام في الشرق الأوسط يبقى مجرد وهم في هذه المرحلة، وأنه لم يكن هناك سلام في السابق، ومن الممكن أن لا يكون هناك سلام إلى الأبد. هذا الكلام يطلق يد إسرائيل في استكمال حروبها وعدوانها على شعوب المنطقة ولا سيما في الأراضي الفلسطينية وفي لبنان وسوريا. يقول برّاك أن كل شيء تغيّر بعد 7 أكتوبر 2023، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يواصل الأعمال العسكرية خلف الحدود، وسيقوم بكل شيء لحماية حدوده من أي خطر أو تهديد.
ولما لا يقوم نتنياهو بذلك بالنسبة لبرّاك طالما أن الأخير لا ينظر إلى دول المنطقة كدول مستقلة ذات سيادة يجب أن تُحترم وفق قواعد القانون الدولي، وإنما هي حسب قراءته التاريخية مجرد قبائل وقرى وطوائف وعائلات، كانت تابعة إلى السلطنة العثمانية قبل أن تجعل منها بريطانيا وفرنسا دولاً قومية فاشلة، على غرار وصفه للدولة اللبنانية بالفاشلة، وبالعاجزة عن بسط سيادتها على كافة أراضيها، وبأنها الدولة الوحيدة التي لم تنضم بعد إلى الاصطفافات الإقليمية، دون أي مراعاة ٍ لحدٍ أدنى من اللياقات التي يجب أن يتحلّى بها الوسيط الدبلوماسي. أما عن اعتراف دول اوروبا والعالم بالدولة الفلسطينية. فيقول برّاك: إن اعتراف الأمم المتحدة وبعض أعضاء مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية غير مفيد وغير فعّال. وهذا موقف أميركي ثابت ومكرر عبر استخدام واشنطن لحق الفيتو في مواجهة أي مشروع قرار لا يلبّي مصالح الإدارة الأميركية وحليفتها إسرائيل.
من الواضح أن تصريحات توم برّاك لا يجب أخذها فقط على محمل أنها صادرة عن وسيط أميركي متحيّز لإسرائيل كأمرٍ ثابت ومعروف في السياسة الأميركية. بل من الضروري فهم الدوافع والغايات الآنية والمرحلية التي يعمل من خلالها ولأجلها صديق الرئيس الأميركي لإيصال رسائل القوة والتهديد من أجل تحقيق السلام والأمن بالشروط الأميركية والإسرائيلية، وإلّا مواصلة الضربات والأعمال الحربية التي تقوم بها الآلة العسكرية حتى تحقيق أهدافها وغايتها في إحكام السيطرة على المنطقة لسنوات طويلة قادمة. في مقابل ذلك كانت مواقف الرئيس اللبناني جوزاف عون تتقلب بسرعة في الأيام الأخيرة بعد تزايد الاعتداءات على جنوب لبنان حيث طلب من الجيش التصدّي لأي توغل بري إسرائيلي بعد لقائه الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، والذي أيّده فريق لبناني كموقف مبدئي في وجوب دفاع الجيش عن أرض الوطن، وعارضه فريق آخر بالنظر إلى الفارق الهائل في الإمكانات مع جيش العدو، وذلك لتجنيب الجيش والوطن حرب جديدة غير متكافئة، ولعدم إعطاء الذريعة للعدو لتوسيع عدوانه على كافة الأراضي اللبنانية. بعد ذلك لم يتأخّر الرئيس جوزاف عون حتى عاد وأعلن أنه لا خيار أمام لبنان سوى التفاوض لإنهاء الحرب، وأنه من الطبيعي أن يكون التفاوض مع العدو وليس مع الصديق. وبرّاك أكد مجدّداً أنه وسيط فاشل عندما طلب من الرئيس اللبناني الاتصال برئيس وزراء العدو استكمالاً لمهمته العابرة لحدود الوساطة وسيادة الدول المستقلة.
كان لافتاً أيضاً تعليق المبعوث الأميركي السابق للبنان آموس هوكشتاين على وصف توم برّاك لبنان بالدولة الفاشلة، بقوله أن لبنان لديه مشاكل كثيرة وبحاجة في هذا الوقت إلى المساعدة وليس إلى التصنيفات. ولا شك أن الدبلوماسية اللبنانية تعلق الآمال على حدوث تغييرات تساعد على تهيئة أجواء أكثر إيجابية كتلك التي رافقت مهمة هوكشتاين عندما حقق نجاحاً كبيراً في دوره كوسيط رئيسي في المفاوضات التي أدّت إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في عام 2022. كما يعوّل لبنان على الدبلوماسية الذكية التي تقودها المملكة العربية السعودية في المنطقة، وعلى قدرتها في التواصل الفعّال مع الإدارة الأميركية، وحتى مع إيران بعد تحسّن العلاقات بينهما في الفترة الأخيرة، وكذلك على دور مصري متقدم في الوساطة لتجنيبه جولة جديدة من الحرب قد تكون أقسى وأشدّ وأمرّ على حياة اللبنانيين الذين دفعوا أغلى الأثمان والتضحيات بسبب الصراعات وسياسات المحاور التي سادت في المنطقة لسنوات طويلة على حساب المصالح الوطنية. حمى الله أهلنا وجيشنا وحمى لبنان!