أحيت زيارة الرئيس نواف سلام الأخيرة للجنوب، التقاليد القديمة...
وأحيت معها أيضا الروح اللبنانية المتجذّرة بالتمسّك بالأرض.
لا ينفك الرئيس نواف سلام عن العمل اليومي، وعن القلق اليومي، وعن التفكير اليومي، بالجنوب وبأهله في الجنوب، يريد تحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه السابقون:
الجنوب محرّرا، وأهله في قراهم وفي حقولهم وفي مواسمهم، خريفا وشتاء، للزراعة والغرس، وربيعا وصيفا، لجني المواسم، وإقامة الأعراس على بيادر الخير، وبين الكروم.
ذهب الرئيس نواف سلام، ومعه أطياف الدولة كلها، إلى الجنوب: يؤكد المؤكد: يؤكد عودة الدولة.
يؤكد عدم التنازل عن تلة واحدة من التلال الخمس..
وعن حائط واحد هابط..
وعن معبور متعرج مكرور بين الكروم وبين النهر...
تاريخ الرئيس نواف سلام يشهد له في الإقدام: فتى ونجلا..
وقاضٍ يقرع العصا..
ومسؤول، ينزل بكل مسؤولية وطنية، من السراي الحكومي، ليقول «لا»، للعدو الإسرائيلي..
يقول لهم بالفم الملآن: كفى بلطجة!...
يقول أيضا لأسيادهم... لمشغليهم... لمشاغليهم... كفى بلطجة... كفى بلطجة...
الرئيس نواف سلام، غيره من الرؤساء الذين عرفهم لبنان:
لا يباع ولا يشرى.
هو منذور للكفاح في وجه أعداء لبنان، ولو من باب رشقهم بحصوة! ولو من باب رميهم بحجر!
لا يستطيع أحد أن يرقى إلى مراقيه، في الدفاع عن لبنان. لا يستطيع أحد في لبنان، أن يقول فيه «القيل والقال»...
هو واثق في كل خطوة يخطوها، حتى ولو كان عليه، أن يقيم في الجنوب سوق الحصى.
يعد الرئيس نواف سلام، بما في يديه، ولا «يكبّر الحجر»، لا يستعير سواعد الغير، ولا يشتغل لأمانيهم..
له أمنية واحدة:
أن يلاقي أهله في ديارهم، لا بعيدين عن الديار.
أن يتشمم عرق أثوابهم المتعفرة في الكروم، لا عطور الواجهات ولا عطور الوجهاء أو الباعة في سوق العطور، وفي سوق السمك...
نعم رأيته البارحة، يخرج وحده إلى الجنوب بحصاه و بعصاه، (بعجره وبجره)، يقرع العصا بالعصا، حتى خروج الإحتلال، حتى طهرانية الأرض من الأعداء، حتى علوق التراب في الأثواب.
ينهر الأبراج والأبواب العاجية، حين تنهاه عن الخروج.
دعته الأرض قبل يومها، ليحضر لها.
دعته ليقبّل ترابها، فلبّى النداء: خارجا وحده كـ(عمر)، صائحا في جميع الوجوه: كفى بلاء.. كفى بلوى.. كفى بلايا.. كفى بلية...
خروجه حقا «تيمة عمرية»...
فليخرس المعاقون والمعوقون.
كفاهم مئويات خاسرة. كفاهم تنازلات مجانية. كفاهم حروب المرتزقة.
دولة الرئيس نواف سلام يشق الطريق اليوم إلى سوق الحصى.
يحمل في يده لبنته، تعفّر بها جبينه الناصع، من غبار الطريق، سحابة عمره.
يرشقها في وجه العدو، حتى الخروج الأخير من القرى.
من يضاهي مثل هذا الرئيس الرئيس الذي يهزّ العصا..
الذي يعرف كيف تقرع العصا، ولمن تقرع العصا، وكيف تمسك العصا.
رأيته البارحة في نومي يقرأ في «كتاب العصا»، للجاحظ، فأحرى به أن يكون أستاذ جيل نحن منه، لا الأجيال السابقة، لا الأجيال الخاسرة! يرمي بالمقلاع، ويقرع بالعصا.
دعوة حارّة نابعة من القلب:
أخرج نواف سلام ولو حافيا، إلى سوق الحصى:
رمية لرامٍ ماهر، يعرف كيف يأتدم في وعورة الطريق الموحشة، على طريقة مارون عبود، في ذروة الجوع والعطش والإشتهاء، حين يكون قرما إلى القرى (بكسر القاف)...!