محمد خلدون عريمط
في لحظة سياسية دقيقة يعيشها لبنان، جاء موقف الرئيس نواف سلام بمثابة استعادةٍ لصوت الدولة وهيبتها، حين أكّد بوضوح أنّ قرار الحرب والسلم هو من اختصاص الحكومة اللبنانية وحدها، وأنّ «ما حدا إلو كلام بالموضوع». لم تكن عبارته مجرد ردّ على بيان حزب الله، بل كانت موقفًا مبدئيًا ودستوريًا يُعيد التذكير بأسس الشرعية والمؤسسات التي يقوم عليها الكيان اللبناني.
من الناحية الدستورية، يستند موقف الرئيس سلام إلى المادة الخامسة والستين من الدستور اللبناني، التي تحدّد صلاحيات مجلس الوزراء بوصفه السلطة التنفيذية التي تضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، ومن بينها السياسة الدفاعية والعلاقات الخارجية. كما تُحيل المادة الثامنة والأربعون بعد المئة (148) إلى مبدأ حصرية القوة المسلحة بيد الدولة اللبنانية، تحت إمرة المؤسسات الشرعية، وهو ما يشكّل أحد الركائز الجوهرية لسيادة الدولة واستقلالها.
من هنا، فإن أي محاولة لتجاوز سلطة الحكومة في تقرير مصير الحرب أو السلم تُعدّ انتهاكًا صريحًا للدستور وتعدّيًا على مبدأ الشرعية الدستورية. فلبنان، وإن كان بلدًا قائمًا على التعددية السياسية والطائفية، إلا أنّه لا يحتمل ازدواجية القرار ولا ازدواجية السلاح.
ذلك أنّ ازدواجية القرار السيادي تعني عمليًا انقسام الدولة إلى دولتين: دولة تُقرّر عبر المؤسسات، ودولة تُقرّر عبر القوة. وهذا ما حذّر منه الرئيس سلام بوضوح، في موقفٍ يُعيد تصويب البوصلة الوطنية نحو الدستور لا نحو التوازنات المفروضة بالقوة.
قانونيًا، لا يمكن لأي جهة غير رسمية أن تدّعي حقّ الدفاع الوطني خارج إطار الدولة. فالدفاع، في القانون الدولي كما في الدستور اللبناني، هو وظيفة سيادية حصرية لا تُفوَّض، لأنّها ترتبط مباشرة بمفهوم الدولة ذاتها. إنّ وجود سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية يفرِّغ النص الدستوري من مضمونه، ويجعل السلطة التنفيذية رهينة قرار موازٍ لا يخضع للمساءلة، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ الحكم الرشيد والمساءلة الديمقراطية التي تمثّل جوهر العمل الحكومي.
سياسيًا، حمل موقف الرئيس سلام دلالتين عميقتين:
الأولى، أنّه أعاد الاعتبار إلى مبدأ الشرعية الدستورية فوق كل شرعية أمر واقع؛ والثانية، أنّه وجّه رسالة إلى الداخل والخارج بأنّ لبنان لن يُدار بمنطق البيانات العسكرية بل بمؤسسات الدولة المدنية.
إنّ هذا الموقف ليس تصعيدًا ضد أي مكوِّن لبناني، بل دعوة صريحة إلى العودة إلى منطق الدولة والقانون، وإلى الاحتكام إلى المؤسسات الشرعية بدل فرض السياسات بالأمر الواقع.
تاريخيًا، كل التجارب التي سمحت بتجاوز سلطة الدولة انتهت بتقويض بنيانها. من هنا، فإنّ موقف الرئيس نواف سلام يُسجَّل كأول خطوة جدّية في إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية كمصدر وحيد للقرار السيادي، وكرسالة بأنّ لبنان ما زال يمتلك رجال دولة يملكون الشجاعة لقول «كفى» في وجه فوضى السلاح والبيانات.
إنّ الدفاع عن سيادة الدولة ليس خيارًا سياسيًا بل واجب دستوري وأخلاقي. والمطلوب اليوم من جميع القوى اللبنانية أن تدرك أنّ دعم الحكومة في هذا الاتجاه هو دعمٌ للبنان نفسه، لا لفريقٍ دون آخر. فالدولة لا تُختزل في حزب أو تيار، بل هي المظلّة التي تحمي الجميع حين تُحترم حدودها ودستورها. من هنا يمكن القول إنّ موقف الرئيس نواف سلام لم يكن مجرد ردّ سياسي، بل إعلانًا لاستعادة الدولة من براثن الازدواجية، وتأكيدًا أنّ السيادة ليست وجهة نظر، بل عقدٌ وطني لا يُنتقَص منه حرفٌ واحد.