يتحوّل الإنسان العربي والعالمي إلى متفرّج عاجز قاعد في الشاشات وهو قد نراه يتسلّى بمتابعة صور ومشاهد ونصوصا ولاسكات أمام حتى شلاّلات الصور الدموية المتدفقة. لا مشاهد في الدنيا تحجب أو لا تحجب لأنّ متابعة العالم عبر الشاشات بالسبابات «الواتس أبية» صارت حاجة مقيمة مرضية تتقدّم على الأكل والشرب والنوم وقل الحاجات الست التي خلقت أساسا لتوازن البشري واستقراره، أعني الاطمئنان العاطفي والأمان الاجتماعي والشعور بالقوة والرضى عن الذات وصلابة الانتماء العام الانساني وتأمين التقدّم في فهم الآخرين في الحضارات.
تضعني هذه المشاهد الجاذبة للتفتيش عن سلطات هذه الشاشات في تاريخ العرب المسكونة بالتحريض والترويج للتجزئة والتخريب والتفريق، وتدفعنا لنتذكّر أوّلاً، تاريخ الصور والنقوش الأولى التي منها اشتقّت الكتابة الهيروغليفية في مصر القديمة والتي يتجاسر الإخوان على نسف رونقها وعظمتها بتحفيز من الغرب والغرباء حيث لا غرب ولا شرق ولا شمالا أو جنوب لأن العالم وجهة واحدة.
ونتذكّر ثانياً، صور الكتابات المسمارية في بلاد ما بين النهرين. وقد نتذكّر ثالثاً، العلّامة ابن منظور في مجلّداته «لسان العرب» التي جاءت بصيغة المفرد لا الجمع، بهدف الوحدة اللغوية والدينية والثقافية والحضارية للعرب.
وأتذكّر رابعاً ومن باريس مثلا كيف أزالت الكاثوليكية معالم الفاشية والنازية ثمّ تحوّلت الثورة النابليوني والصهيونية إلى تفريغ المسيحية من معانيها وقيمها السامية، وجعلتها وكأنها بلا دسم لتتعاون مع الغرب على دحض الإلحادية ومنظومة الاتحاد السوفييتي منذ نهاية الحرب العالمية الثالثة.
وقد تلتهب أو تزداد المرارة في التفكير والتذكير، خامساً، بهذا الحقد المستجدّ والمتعاظم الذي يرتدّ على العرب والإسلام والمسلمين آخذاً بتشويهاته عظمة تلك التواريخ والبقاع المشرقية الكبرى التي منها تدفّقت الحضارات أساسا نحو الدنيا.
يقودني هذا الواقع المؤلم إلى مصطلح الصورة المنفوخة بالحروب واللامبالاة والتلذّذ البشري بمنظر الدماء والأشلاء والاحتماء بالمغالاة من ممتهني بثّ الصور وعاشقي البؤس العربي والتخريب لكأنّنا نرتمي ونحن أهل العجز متأملين الفروقات بين ذكرياتنا المجيدة والصور الكوارثية التي تغمر حاضرنا.
قد تكون الصورة محطّة استبدادية معاصرة تعود إلينا ونحن من ولّفها بعد محطتين أساسيّتين قطعهما البشر هما أولاً، مبدآ الحياة والموت ثمّ استبدادية الزمان وصولا الى اختراع الساعات الفلكية، حيث لم يتمكّن أحد من الفرار من قفص الوقت بالساعة والدقيقة والثانية حتّى صار بعضنا يردّد كما الغربيون بأنّ الزمان هو المال:Time is Money.
يخرج التاريخ المعاصر من مفاهيم الزمان أي من التاريخ بمعناه الحضاري والديني القيمي. أصبح العصر مغمّساً بتفاهة الموت ولا قيمة خاصّة له، أو أن الانسان المعاصر بات عاجزا عن التقرير في ما هو فيه، ولو أن الجدل والتنابذ والصراعات والانقسامات تشغل زمانه العربي لتأخذ طابع الخلافات المذهبية في التفكير أو التفسير أو السلوك المتعاظم ينذرنا بزلازل غير متوقّعة . لان الهم والمهم متعة إلغاء الآخر ومتعة رؤية صورة الإلغاء عبر الشاشات، مهما قست باسم الغرابة في فهم الدين والبشر.
هكذا يسهل على أيّ منّا التنبّه إلى تحوّلات السلطات اليوم على مستويات العائلة والوطن والمذاهب والمؤسسات والأحزاب والدفاعات الوطنية والقومية المحكومة اليوم أكثر فأكثر بالصور والشاشات والمخترعات الغريبة العجيبة المتراكمة فوق رؤوس أولادنا واحفادنا بهدف الامتاع والمؤآنسة، وهذه كلها تعدنا بالفواجع النفسية والتربوية والسلوكية، وهي ستكشف الأغطية عن المخاطر التي تنتظر صعوبة إعادة تنقية الشخصيّة من أمراض الثمانينات المرضية بين الأهل وأبنائهم كما بين الدول ورعاياها، والأفراد والمجتمعات والسلطات بشكل عام. هل ننبّه هنا إلى أنّ أجيالنا الشابة باتت مشابهة كثيراً، بالمعنى القومي، لأجيال التقنيّات الاتصالية التي لا تعيش كثيراً، لكنّها لا تعيش إلاّ إذا ألغى بعضها بعضاً متوهّمةً تحقيقها لصور المعاصرة الدائمة للإنسان الجديد الذي يرضي نهم الدول الكبرى والزعماء الكبار الذين يقبضون على علوم العصر الجهنمية. غدا سترمون اجهزة الخلوي في سلال المهملات لتستبدلونها بنظارتين فوق العينين. هذا ما سنعاينه في قيادة عرباتنا وطائراتنا الفارهة إلى الموت، كما نعانيه في سياسات الدول التي لا تكاد تبين على الخارطة العالمية في كيديتها ومكابرتها عندما تجد نفسها منصاعة لكل كشف جديد فتبرز سلطاتها اكثر من جذابة للإيقاع بالدول تحقيقاً لهوّاماتها الكثيرة ولتفريغ الشعوب من خصوصية تاريخها.
وللتذكير:
حاولت أوروبا قبلنا وهي تتحضّر أبداً لوحدتها من تحصين ساحاتها الداخلية وهويات بلدانها المتنوّعة، فالتفتت إلى مخاطر عصر فتح الشاشات كأولوية، وجهدت ألمانيا لضبط الصورة التي تمرّ من بلدٍ أوروبي إلى آخر من دون احترام لجار أو ثقافة أو تنسيق معه وفشلت إلى حدّ كبير، وكان الحلّ بإنشاء قناة أوروبية موحّدة هي الـ A .R .T .E، التي كانت قد ترضي ببرامجها الجميع، وهي في الواقع لم ترض أحداً في الوقت نفسه. نحن العرب نكابد زمن الصورة المماثل الذي يسفك دمائنا ويعكسها للعالم، وهو ما يستدعينا فورا إلى اتّحاد عربي إعلامي يحدّ من حريّات الجزر الإعلامية، لا لوقف النزف والانحدار، بل لتلمّس بعض المسؤولية تجاه مستقبل أجيالنا، بدلاً من ألعاب الحريّة المطلقة والديمقراطية البهلوانية في أزمنة الثورات والمستوردات ولملمة قتلانا والجراح.
هي دعوة أكاديمية ووطنية وقومية وعربية بل عالمية مشغولة باستنهاض الحكام وخبراء الإعلام واساتذة الجامعات ونجوم الشاشات لنناقش على الهواء العام وفي برامج يومية مخاطر الشاشات ومسؤولياتها في صيانة الأطفال والشابات والشباب والمجتمعات والمستقبل بحثا عن سبل الخروج من وعورة الشاشات اللامتناهية.