بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 شباط 2026 12:05ص فلسفة السيادة الداخلية في لبنان: بين أزمة الدولة وعجز النظام

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

يتحدث الكثير في لبنان عن السيادة ويربطونها غالباً برفض التدخّلات الخارجية أو بالتمسّك بالاستقلال، لكن جوهر المشكلة لا يقتصر على الخارج، فالمشكلة تبدأ من الداخل لأنه عندما لا تملك الدولة سيادتها على نفسها، وعندما لا تتحكم بحدودها ومؤسساتها وقراراتها، يصعب أن تكون دولة ذات سيادة حقيقية مهما ارتفعت الشعارات والبيانات. لذلك، يجب أن تُظهر السيادة الداخلية نفسها كمعيار حقيقي لوجود الدولة، وليس مجرد إعتراف دولي. فعندما تتعدد المرجعيات الحزبية والطائفية وتغيب السلطة القادرة، تتحول الدولة إلى مجرد إطار شكلي ويصبح القرار الوطني رهينة لتوازنات داخلية من جهة وخارجية من جهة أخرى تتحرك غب الطلب. فالسيادة الداخلية ببساطة هي إرادة الشعب، وهي قدرة الدولة على ممارسة السلطة المطلقة داخل حدودها الدولية، وفرض القوانين على الجميع دون استثناء، وإحتكار استخدام القوة، وإدارة شؤون البلاد المالية والقضائية والخدماتية بإسم المصلحة العامة.
سيادة فرض النظام وإحتكار القوة: في الفكر الفلسفي السياسي، ارتبطت السيادة الداخلية بفكرة الدولة القوية القادرة على فرض النظام. توماس هوبز في كتابه «الليفياثان» قال إن غياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام يؤدي حتماً إلى الفوضى، وتتحوّل السياسة إلى صراع مفتوح بين القوى «حرب الكل ضد الكل»، ويصبح الأمن متعلقاً بقوة كل طرف. هذا الوصف قريب من الواقع اللبناني حيث تتعدد مراكز القرار، وتتوزّع السلطة بين المؤسسات الرسمية والقوى الحزبية والطائفية، وهذا يجعل الدولة غير قادرة على فرض إرادتها. أمّا ماكس فيبر في محاضرة ألقاها عام 2019 بعنوان «السياسة كمهنة» يعرّف الدولة بأنها الكيان الوحيد الذي يجب أن يملك حق إستخدام القوة. تعريف ماكس فيبر واضح جداً؛ إما أن الدولة تحتكر القوة، أو لا تكون دولة ذات سيادة مكتملة. أما جان بودن في كتابه «الكتب الستة في الجمهورية» رأى أن السيادة هي سلطة كاملة لا يمكن تقسيمها، وهذا يعني أنّ أي دولة تشارك سلطتها مع قوى داخلية موازية تفقد جوهر السيادة. وفي الحالة اللبنانية، الدولة غير قادرة على فرض النظام وإحتكار القوة والسيادة موزّعة ومشروطة ومقيّدة بتوازنات طائفية وسياسية، وهذه التوازنات تجعل السيادة ضعيفة وغير متكاملة.
سيادة تضارب المصالح والقدرة على ممارسة السلطة: يقول أرسطو في كتابه «السياسة» إن أخطر ما يهدّد المدينة هو الانقسام الداخلي بين فئات ذات مصالح متضاربة. في لبنان، إحتكار القوة غير محقّق بالكامل، فتضارب مصالح القوى الفاعلة ووجود سلاح خارج إطار الدولة يؤثران على القرارات الوطنية، وهذا يعني أن الدولة ليست المرجع الأخير في أمور الأمن والحرب والسلم الذي يجعل السيادة اللبنانية الداخلية هشة مهما كانت التبريرات. أما هانز مورغنثاو في كتابه «السياسة بين الأمم: الصراع على القوة والسلام» يرى أن السيادة هي القدرة الفعلية للسلطة على اتخاذ القرار وتنفيذه. عندما لا تستطيع الدولة أن تفرض سلطتها داخلياً، تصبح السيادة منقوصة مهما قالت النصوص غير ذلك. من هذا المنظور، يمكن القول إن أزمة ممارسة السلطة في لبنان ليست حالة مستجدّة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية وبنيوية؛ الأزمة هي أزمة في النظام السياسي، وأزمة في الشرعية، وأزمة في الثقة بين الدولة والمواطنين. إن استعادة القدرة على ممارسة السلطة يكون عبر طريق طويل يُعيد للدولة احترامها كمرجعية واحدة موحّدة وينقل لبنان من الطائفية إلى المواطنة، ومن الزبائنية والمحسوبيات وتوزيع الحصص إلى سيادة الكفاءة والقانون تحت مظلّة الدولة القادرة. 
السيادة والإرادة العامة: في كتابه «العقد الإجتماعي»، ربط جان جاك روسو السيادة بالإرادة العامة، لا بالحاكم ولا بالمؤسسات. بحسب روسو، تكون الدولة سيادية عندما تعكس قوانينها مصلحة جميع المواطنين، لا مصالح فئات محددة. من هذا المنطلق، تبدو أزمة سيادة لبنان أعمق من مجرد سلاح خارج الدولة أو سلطة موازية؛ السبب هو غياب الثقة بين الإرادة العامة والدولة التي تُدار من النخب على أساس التوازن الطائفي، لا على أساس المصلحة الوطنية. فعندما تفقد الدولة ثقة مواطنيها، تظهر قوى بديلة (طائفية أو حزبية) تملأ الفراغ؛ هذا ما نراه الآن في لبنان لأن شريحة واسعة من اللبنانيين ترى أن الدولة لا تستطيع توفير أبسط احتياجات العيش: العدالة، الخدمات، الأمن، والاستقرار الاقتصادي. ومع فقدان الثقة، لم تعد الدولة المرجع الأول، بل أصبحت أحد القوى الفاعلة على الساحة أو مجرّد لاعب بين اللاعبين.
السيادة والنظام الطائفي: أُنشيء النظام الطائفي في لبنان لإدارة التعدّد، لكنه مع الوقت تحوّل إلى طريقة لتقاسم الدولة بدل من بنائها. جون لوك في كتابه «رسالة في التسامح»، دعا إلى فصل شؤون الإيمان عن شؤون الحكم، لأن الدولة معنية بحماية الحقوق المدنية، لا بخلاص الأرواح. أما باروخ سبينوزا في كتابه «الرسالة اللاهوتية السياسية» يتحدث عن التعدد الديني والسياسي؛ فهو يعتقد أن الاستقرار يحتاج إلى نظام يسمح بالتنوع لكنه يمنع تحول الجماعات إلى قوى تتجاوز القانون. المؤسسات في لبنان خاضعة في أكثر الأحيان للتوازن الطائفي، لا لمنطق الكفاءة ولا للمصلحة العامة، إذ نلاحظ أن الدولة أصبحت ساحة تفاوض دائم بين الطوائف والزعامات السياسية، كل طائفة لها شرعيتها وقواعدها وكل حزب له شعبيته وجمهوره. فالسيادة لم تعد واحدة، بل صارت متعدّدة والقرار لم يعد قراراً وطنياً، بل أصبح اتفاقاً حزبياً أو طائفياً مؤقتاً يتزعزع مع كل أزمة؛ هذه الهشاشة في سيادة الدولة تجبر المواطن الإعتماد على طائفته أو حزبه لتلبية احتياجاته.
السيادة والاقتصاد، وجه واحد للأزمة: كارل ماركس في كتابه «نقد فلسفة الحق عند هيغل» قال أن الدولة والسيادة يتأثران بالبنية الاقتصادية، فسيادة الدولة عنده تتعلق بمن يملك وسائل الإنتاج ومن يحدد القرار الاقتصادي. سوزان ستراينج في كتابها «الدول والأسواق» ناقشت السلطة البنيوية للأسواق والتمويل وأوضحت كيف أن رأس المال والديون يمكن أن تقيّد سيادة الدولة. أما ميشال فوكو في كتابه «مولد البيوسياسة» أشار إلى أن سيادة الدولة تظهر عبر إدارة الاقتصاد، مثل سوق العمل والسياسة الصحية والأسعار والأمن الاجتماعي. تبين آراء الفلاسفة الباحثين أن السيادة تتعلق بشكل مباشر بالاقتصاد، والسيادة الاقتصادية هي في الواقع إدارة شؤون الوطن. هذا يبدو جليّاً في الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي تعرّض لها لبنان والتي أظهرت أن السيادة ليست مسألة سياسية فقط، بل هي مسألة اجتماعية أيضاً. فالدولة فشلت في حماية عملتها وضبط اقتصادها وفشلت في توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، فتحولت المشكلة الاقتصادية إلى حالة إجتماعية مأساوية دمّرت الثقة بين المواطن والدولة وجزّأت الوطن وسيادته.
سيادة القانون والقضاء النزيه: السيادة تُقاس أيضاً بقدرة الدولة على فرض القانون بعدالة على جميع مواطنيها. في كتابه «روح القوانين» قال مونتسكيو أن غياب القضاء المستقل يعني زوال الحرية وبالتالي زوال سيادة الدولة. في لبنان، حيث يتعرض القضاء لتدخّلات سياسية وطائفية مباشرة، تتآكل السيادة الداخلية ويُستبدل حكم القانون بحكم القوى الفاعلة. أما جون لوك في الرسالة الثانية من «مقالتان في الحكومة المدنية»، ربط السيادة بالعدالة والمساواة بين جميع المواطنين. ويضيف إيمانويل كانط في كتابه «مذهب الحق» على أن الدولة القانونية تقوم على سيادة القانون لا سيادة الأشخاص، وأن العدالة القضائية هي شرط أساسي لإحترام الكرامة الإنسانية. هذا يسلّط الضوء على أزمة تطبيق القانون في لبنان، حيث يعجز القضاء عن محاسبة بعض المسؤولين أو ضمان المساواة أمام العدالة، والذي أدّى إلى فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
في الخاتمة، السيادة لا تُعلَن بل تُطبّق، والدولة التي لا تتَحكّم بالدولة من الداخل لا تستطيع أن تحمي الدولة من الخارج. السيادة الداخلية ليست مجرد شعار يُرفع عندما تشتدّ الأزمات أو عندما نحتاج إلى خطاب، وإستعادة السيادة الداخلية لا تبدأ من الخارج بل تبدأ داخلياً في العمل على بناء الثقة بين الدولة والمواطن. السيادة الداخلية هي معيار عملي يحدد وجود الدولة، هي سيادة فرض النظام وسيادة إحتكار القوة وسيادة القدرة على ممارسة السلطة وسيادة الإرادة العامة وسيادة النظام الغير طائفي وسيادة الاقتصاد وسيادة القانون والقضاء النزيه وسيادة الدولة التي تسيطر على حدودها وأراضيها بدون استثناء أو شراكة قسرية. من خلال ما شهدته التجربة اللبنانية، إن ضعف السيادة الداخلية ليس نتيجة أزمة واحدة، بل هو نتيجة بنية سياسية واقتصادية وطائفية تراكمت على مرِّ السنين وأضعفت الكيان. في هذا السياق، تجتهد الدولة بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام في إعادة ترميم سيادة الوطن على جميع الأصعدة محاولين إعادة الإحترام للدولة داخلياً وخارجياً. يبقى الأمل أن تنجح الدولة وتصبح المرجعيّة الوحيدة للمواطن، وأن لا يكون الوطن مجدداً ساحة صراع لقوى داخلية أو خارجية، وأن يصار إلى إعادة الإعتبار للمواطنة وربط السيادة والشرعية بالإنجاز والعدالة لا بالإنتماء الطائفي أو الحزبي، وعندها يمكن أن ينتقل لبنان من حالة الدولة الهشة المعلّقة إلى الدولة السيّدة الفاعلة والقادرة على حماية نفسها وصياغة مستقبلها بإرادتها.