بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 آذار 2026 12:00ص فوضى الأوسط الكبير

حجم الخط
بدأت الحرائق تلتهم البلاد. هذة المرة لم تكن جانبية. ولم تكن هامشية. ولم تكن بأيدٍ مستعارة. هذة المرة، كانت في عقر الدار وبأيدٍ عارية. 
لا بد أن هذا العام إذن، هو عام التحولات الكبرى ، لا الصغرى. مضى قرن من الزمن، في الأعمال التحضيرية. ما كان يظهر منها، ضئيل للغاية، قياسا لما هو خفي. قياسا لما هو مموه بعناية. 
 لا بد أن يتذكر الباحثون والدارسون تاريخ28/2/ 2026، بكل دقة.  فهو تاريخ مدروس. وهو تاريخ محضر منذ زمن طويل. وهو تاريخ يستحق أن نتوقف عنده. هذا التاريخ، هو الذي سوف يؤرخ للتغيير الكبير الذي يحفر الأوسط الكبير الآن، ويجري فيه السيل. إنه طوفان الأقصى  الذي بدأ في السابع من أكتوبر-2023. فإجتاح غزة وسوريا ولبنان وعموم فلسطين. وهو اليوم يجتاح الأوسط الكبير بالكلية. 
لا نعرف هذا السيل الجارف من الأمواه. من النيران. من الدماء. من الحمم. أين سيصل. وأين سيعظم ويشتد. ومتى يستريح.  نعرف أمرا واحدا: أننا نغرق في القيعان. وكذلك الأوسط الكبير. أننا نغرق. أننا نغرق. 
كل يوم نتطلع إلى لجة الأوسط الكبير، فنراها تدنو منا. وندنو منها. صرنا على قاب قوسين أو أدنى. تأكل النيران الجدران من جميع الجهات. من جميع الإتجاهات. تدخل إلينا من الأبواب والنوافذ والكوى. تنهار السقوف فوقنا. ولا نسمع حولنا إلا الصراخ و العويل. والدوي المتعالي إلى السماء. 
يزحف نحونا أفعوان الحرب، فاغرا فاه. أمضينا القرن الماضي كله، ونحن نرقص في أغلال العبيد. كانت موائدنا غنية مثل موائد الخراف التي تساق إلى الذبح. والآن حان منا موعد الجزار. نذهب إلى المسلخ بأرجلنا. وليس بأيدينا، إلا الصراخ والعويل. ليس بأيدينا ما يدفع السكين عن رقابنا. نحاول أن نبحث فقط بأظافرنا، عن مسافة تباعدنا عن النيران. مثل «الباحث عن حتفه بظلفه». ونلتفت قليلا حولنا، فلا نرى غير السكاكين تشحذ من جديد لرقابنا. 
ودعنا في ليل 28/2/2026، الأوسط القديم. كل أحلامنا سقطت دفعة واحدة. كل أمجادنا. كل ليالينا وأحلامنا. وها هي السكاكين تشحذ لنا. فنساق للذبح زرافات ووحدانا.
لا نستطيع أن نقدر حجم الخسائر التي حلت بنا. فهذا وحده، يحتاج إلى سجل. إلى ديوان عظيم. فهل نستطيع أن نقول إن لبنان صار محاصرا من كل الجهات. حتى بوابة البحر، صارت مفخخة. كيف يمكن للمرء أن يتصور: أنه يدخل الأتون ويغلق الباب على نفسه. وهل نريد أن نصنع لأنفسنا. بل أن نصنع بأنفسنا محرقة. فما عدنا نصدق إلا أمرا واحدا. أننا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة. وأن حفنة من المأجورين، هم وراء المجزرة!.
ضاعت علينا جميع الفرص. وصرنا بين ليلة وضحاها، أبناء الفرص الضائعة. أضعنا الإستقلال. وأضعنا الدولة. وأضعنا التحرير. ونحن اليوم نعرض البلاد كلها،  للضياع. فهل هناك من يصدق بعد، أننا نقاوم الأعداء. أم نستدرجهم إلى داراتنا. فما هذا الجحيم الذي أغرقنا أنفسنا فيه. وجعلنا العدو يأمرنا بمكبرات الصوت إلى مغادرة أرضنا. إلى مغادرة منازلنا. إلى مغادرة قرانا ومدننا. ويدب الفوضى، في الأوسط الكبير. وندب الصوت، فلا من أحد يرد علينا.
فأين العقلاء. أين صوت العقل. أين الحكماء. بل أين الحكمة، ونحن نستدعي العدو للفتك بنا. 
أمس سجلت الدولة خطوة مباركة: قالت بإنهاء كل ما يقع في باب الشرذمة. طالبت جميع القوى، أن تنضم لمسيرة الدولة. أن تسلم أمرها لشرعية الدولة. وأن تكون هي وحدها صوت اللبنانيين جميعا في الداخل، كما في الخارج. وأن تتسلم قوى الشرعية المسلحة، ذمام الأمور في حفظ البلاد من الأخطار المهددة. فهل نستجيب لها، ولا نجعل الأبواب مشرعة للرياح من كل الجهات، فلا نكون وقودا، لفوضى الأوسط الكبير التي تحدق بنا.
فلماذا نسوق شعبنا إلى التشرد على الأرصفة. إلى دور الإيواء. نفتح المدارس للنازحين، بدل أن نفتحها للتعليم. فلا ملاجئ عندنا.
أما آن الأوان لنحفظ من بعد، كرامتنا وكرامة أبنائنا.  وكذلك كرامة وطننا!