بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 تشرين الثاني 2025 12:00ص في الذكرى الـ37 لرحيل الرئيس تقي الدين الصلح: لبنان بين ولادة الإستقلال وذوبان الوطن

حجم الخط
في كلّ مرحلة مفصلية يمرّ بها لبنان، أعود إلى كلمات الرئيس الراحل تقي الدين الصلح، ذلك أنّ بعض الأقوال لا تموت مع أصحابها، بل تبقى حيّة لأنّها تحمل صدق الرؤية ووجع الحقيقة. ومن بين كلماته التي لا تزال تُضيء المشهد اللبناني، تلك العبارة المؤلمة: «لقد شهدنا الاستقلال كيف يولد، ولن نرضى أن نشهد الاستقلال كيف يزول.» هذه الجملة، رغم قِدمها، تبدو كأنها كتبت اليوم. فلبنان الذي وُلد استقلاله بتضحيات رجاله ونسائه، يقف اليوم على حافّة اهتزازٍ كيانيّ يجعلنا نتساءل بمرارة عن مصير هذا الاستقلال، بعدما تفكّكت مؤسساته وتراجعت سيادته وتصدّعت ثقة الناس بدولتهم. ما كنا نعتبره مسلّمات وطنية بات اليوم مهدداً بالذوبان البطيء، تماماً كما قال الرئيس الراحل إنّ «لبنان يذوب كالشمعة، فلنتداركه قبل أن ينتهي.»
ولعلّ أبرز ما يلفتني في رؤيته هو إدراكه المبكر لدور المؤسّسة العسكرية في حماية الكيان. فقد شدّد قائلاً: «يجب أن يكون جيش لبنان لكل لبنان، وأن يكون كل لبنان للجيش الواحد الموحّد.» وما أشدّ الحاجة اليوم إلى إعادة تكريس هذه الحقيقة، في زمنٍ تكاثرت فيه الولاءات وتفلّت فيه السلاح وتراجعت فيه هيبة الدولة. إنّ وحدة الجيش هي آخر ما تبقى من مظاهر الدولة الجامعة، وحمايته هي حماية للبنان نفسه لا لفئة من فئاته.
لكن الرئيس تقي الدين الصلح لم يكن يوماً من دعاة الحلول الفوقية أو القوة العمياء. فقد كان يؤمن بأنّ الأوطان تُبنى بالعقل لا بالعضلات، حين قال: «إنّ التفاهم والحوار والبناء المشترك هو من صنع العقل، لا من صنع العضلات والبنادق.» هذه الكلمات هي نداءٌ موجَّه إلى كلّ القوى السياسية والمجتمعية التي لا تزال ترى في الغلبة سبيلًا، وفي الفرض وسيلة. أثبتت التجربة أنّ القوّة لا تُبني دولة، وأنّ الحوار وحده قادر على إنقاذ ما تبقّى من وطن يتآكل تحت نزاعات أبنائه.
ومع كلّ هذا، لم يغفل الرئيس تقي الدين الصلح عن آفة النظام اللبناني التي رافقت مراحل كثيرة من تاريخه، حين قال بوضوح قاسٍ: «الأفراد والجماعات والزعامات والطوائف كانت تأخذ من لبنان لتبني نفسها، وما كانت تدري أنها تبني على أنقاضه.»
تختصر هذه الجملة عقوداً من المحاصصة ومن استنزاف الدولة لخدمة المصالح الخاصة، حتى وصل لبنان إلى حيث هو اليوم: دولة ضعيفة تحكمها قوى قوية، بدل أن تكون دولة قوية تحكم قوى موحّدة في ظلّ القانون.
أما على مستوى دور لبنان في العالم، فقد كان الرئيس تقي الدين الصلح يرى أنّ هوية لبنان لا تُقاس بحجمه، بل بمبادئه، حين قال: «على لبنان أن يكون موقفه منسجماً مع مبادئه، فينتصر لكلّ شعب ضعيف لا يملك القوة التي يملكها الأقوياء.» هذا الموقف الأخلاقي الذي لطالما تميّز به لبنان بدأ يخفت في ظلّ حسابات ضيّقة وصراعاتٍ إقليمية، فيما يحتاج البلد اليوم إلى استعادة دوره الإنساني والدبلوماسي الذي يشكّل جزءاً من رسالته الحضارية.
إنّ أقواله ليست مجرد ذكريات أو حكم تاريخية، بل هي مرآة تعكس واقعنا ومآسينا وفرص نجاتنا في آنٍ واحد. هي دعوة للتفكير في جوهر الأزمة: هل نريد دولة حقيقية أم منظومة مصالح؟ هل نريد استقلالاً فعلياً أم احتفالات شكلية؟ هل نملك شجاعة الإصلاح قبل أن تكتمل ذوبان الشمعة؟
إنّ استعادة هذه الأقوال اليوم ليست حنيناً إلى الماضي، بل بحثاً عن بوصلة في حاضرٍ مضطرب. فلبنان لن يُنقذ إلا إذا استعاد قيم الاستقلال، ووحدة الجيش، ومنطق الحوار، وأولوية الدولة، ورسالة العدالة التي ميّزته عبر تاريخه.
وإذا كان الاستقلال قد وُلد مرةً بدماء الأبطال، فإنّ الحفاظ عليه اليوم يتطلّب إرادة وطنية صادقة تعيد للبنان دوره ومكانته قبل أن يزول ما تبقّى من وطنٍ نحبه، رغم كلّ شيء.

الأمين العام لإتحاد المحامين العرب(سابقاً)